الرئيس التونسي يخوض حرباً جديدة مع حركة النهضة

الرئيس التونسي يخوض حرباً جديدة مع حركة النهضة

مشاهدة

07/04/2021

بعد أسابيع من الهدوء، فُتح الباب مجدّداً في تونس لفصل آخر من الحرب المستمرّة بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد من جهةٍ، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة هشام المشيشي من جهةٍ أخرى، بعد أن رفض سعيّد إمضاء قانون معدل لقانون المحكمة الدستورية تقدّم به البرلمان، الذي تسيطر عليه حركة النّهضة الإسلامية وحلفاؤها.

الرئيس التونسي اختار الهروب إلى الأمام في انتظار المجهول، ويرجح أن يمضي في خيارات سياسية خاطئة، قد تكون بمثابة الانتكاسة للانتقال الديمقراطي

 خطوةٌ فتحت الباب أمام أزمة دستوريةٍ جديدة تضاف إلى الأزمة السياسية المستمرّة منذ ثلاثة أشهر، وتسببت في انسداد المشهد السياسي وتعطّل دواليب الدولة، إلى جانب أزمةٍ اقتصادية خانقة منذ السنوات التي تلت الثورة عام 2011، وسط تحذيرات دولية من إفلاس البلاد. 

المحكمة الدستورية في تونس، التي كان يفترض تأسيسها خلال عام من صدور دستور تونس الجديد عام 2014، تأخر وضعها لسنوات بسبب الفشل في انتخاب ثلث أعضائها من قبل البرلمان الذي تمثّل حركة النهضة أغلبيته منذ 2011، فيما تعتمد تونس منذ 2014 نظاماً برلمانياً معدلاً تسند فيه صلاحيات مقيّدة للرئيس.

أزمة تونس مستمرة ... وصراع جديد يحتدم بين سعيّد والغنوشي

ومن مهام هذه المحكمة، مراقبة دستورية مشاريع تعديل الدستور، والمعاهدات ومشاريع القوانين، والقوانين، والنظام الداخلي للبرلمان، وتبت في استمرار حالات الطوارئ، والنزاعات المتعلقة باختصاصي رئيسي الجمهورية والحكومة، إضافة إلى النظر في إعفاء رئيس الدولة في حالة الخرق الجسيم للدستور.

النهضة تستشعر الخطر

وعلّل سعيّد هذا الرفض بجملة من الحجج القانونية أهمها المتصلة بالآجال الدستورية، التي نصت عليها الفقرة الخامسة من الفصل 148 من دستور سنة 2014، والذي ينص على ضرورة تأسيسها في أجل عام من صدور الدستور، فضلاً عن عناصر قانونية أخرى متصلة بما شهدته تونس منذ وضع الدستور إلى اليوم، وشدد الرئيس"على ضرورة احترام كل أحكام الدستور، بعيداً عن أي تأويل غير علمي بل وغير بريء".

اقرأ أيضاً: الرئيس التونسي يخوض حرباً جديدة مع حركة النهضة

وقال سعيّد في كلمة ألقاها الثلاثاء 6 نيسان (أفريل) الحالي بمحافظة المنستير بمناسبة إحياء الذكرى 21 لرحيل الزعيم الحبيب بورقيبة (أول رئيس لتونس)، "إنّهم خارج الآجال، ومن خرق الدستور لا يمكن أن يجرني معه لخرقه معه"، في إشارة لحركة النهضة وحلفائها، وتابع: "إنّهم لمّا شعروا بالخطر أصبح الحديث عن المحكمة الدستورية"، متسائلاً "هل ستكون محكمة أم  لتصفية الحسابات، لن أدخل معهم في هذه السجالات، والدستور قدم لي حق الاعتراض وحق الرد واستندت للدستور في اعتراضي"، لافتاً إلى أنّ "كل شخص يريد اختيار أشخاص ستخدمه ومن يمنّي نفسه يجري وراء السراب".

وتذهب أغلب التحليلات إلى أنّ حركة النّهضة استشعرت الخطر في تمرير برامجها ومخططاتها، بسبب اختلاف سعيّد معهم منذ توليه الرئاسة، على خلاف باقي الرؤساء الذين سبقوه، وهو ما لم يكن ضمن حساباتها، لذلك سارعت لإرساء المحكمة الدستورية التي عطّلتها طيلة السنوات الستة الماضية، وهو ما أشار إليه ضمنياً سعيّد، وأكده المحلل السياسي باسل ترجمان، الذي شدّد على أنّ حركة النهضة تحاول دائماً، عندما تتورّط في نتائج غير منتظرة، إنقاذ نفسها من سياساتها الخاطئة.

وقال ترجمان لـ"حفريات"، إنّ الحركة استشعرت خطر سعيّد على وجودها، فسارعت إلى إحداث محكمة دستورية تنقذ بها ما يمكن إنقاذه، خصوصاً أنّها كانت تعتقد أنّ سعيّد ليس له شخصيةً سياسيةً ولا قاعدةً شعبيةً، وأنّها ستنجح في تحويله إلى أداة في يدها لخدمة توجهاتها.

ترجمان أضاف أيضاً أنّ النّهضة حاولت جرّ تونس إلى مستنقع الصراعات الإقليمية، وتوريطها في التحالفات الدولية في ما يتعلّق بالملف الليبي، لكنّ الرئيس أصرّ على الحفاظ على حياد البلاد، وهو ما أفقدها حلفاءها الدوليين.

باسل ترجمان محلل سياسي

سعيّد يخاف العزلة

في المقابل، يرى بعض النشطاء السياسيين في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أنّ سعيّد، بدأ يخاف من عزله، من طرف البرلمان باعتبار تفاقم خلافه مع حركة النهضة، التي نجحت على امتداد السنوات العشر الماضية في عزل كل من يخالف سياساتها، خصوصاً أنّ المحكمة الدستورية ستقلّص صلاحياته، المحدودة بالأساس.

كما يعتبرون أنّ الرئيس قد مرّ إلى مرحلةٍ تصعيديةٍ، للتأكيد على رغبته في الحكم الفردي، باعتبار رغبته منذ كان أستاذ القانون الدستوري، في تغيير نظام الحكم في تونس إلى نظامٍ رئاسي، وقد ألمح إلى ذلك في الكثير من المناسبات، محملاً النظام الحالي مسؤولية الأزمات المتتالية التي تعصف بالبلاد.

اقرأ أيضاً: هكذا جرّت حركة النهضة الإخوانية تونس نحو الخراب

وتعليقاً على ذلك، لفت الأستاذ في العلوم السياسية إبراهيم العمري إلى أنّ الرئيس يعتقد أنّ إحداث المحكمة الدستورية سيؤدي ضرورةً إلى عزله، بالتالي أصبح يخشى من عزله وليس عزلته فقط، لافتاً إلى أنّه تعمّد تعطيل الدستور، وتعطيل سير البلاد، ما يسهّل على الطبقة السياسية المعارضة لسياساته اللجوء إلى الفصل 88 من الدستور التونسي ضدّه.

 وينص الفصل القانوني على أنّه "يمكن لأغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب المبادرة بلائحة معلّلة لإعفاء رئيس الجمهورية من أجل الخرق الجسيم للدستور، ويوافق عليها المجلس بأغلبية الثلثين من أعضائه، وفي هذه الصورة تقع الإحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في ذلك بأغلبية الثلثين من أعضائها..".

المحلل باسل ترجمان لـ"حفريات": النهضة كانت تعتقد أنّ سعيّد ليس له شخصية سياسية وحاولت تحويله إلى أداة في يدها لخدمة توجهاتها

وقال العمري في تصريحه لـ"حفريات"، إنّ الرئيس اختار الهروب إلى الأمام في انتظار المجهول، مرجحاً أن يمضي في خيارات سياسية خاطئة، قد تكون بمثابة الانتكاسة للانتقال الديمقراطي، برغم أنّه لا يستطيع قانونياً حل البرلمان، مشدّداً على أنّ المسار الديمقراطي محمي شعبياً ولا يمكن لأي طرف المسّ به.

الأزمة تتعمّق

ردّ سعيّد الرافض لقانون المحكمة الدستورية أجهض، بحسب ما تراه قيادات المنظمات الاجتماعية، مساعي تقريب وجهات النظر التي كان يقودها "الاتحاد العام التونسي للشغل" (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، لإيجاد أرضية عمل مشتركة بين الفرقاء السياسيين تحدّ من حالة التوتر بين الرئاسات الثلاث (الجمهورية والبرلمان والحكومة)، بعد أن أوشك على النجاح في إطلاق حوارٍ وطني.

وكان سعيّد قد أجرى، الأسبوع الماضي، اتصالاً هاتفياً سأل فيه عن صحة رئيس البرلمان راشد الغنوشي، بعد إشاعات عن إصابته بوعكة صحية، ما رفع سقف التفاؤل حول قرب إذابة الجليد بين الطرفين، والانطلاق في الإعداد للقاء قد يكون بمثابة الانطلاق في الحوار الوطني.

كما أكد الأمين العام المساعد لـ"اتحاد الشغل"، سامي الطاهري، وجود مساع للاتحاد، تهدف إلى رفع الحواجز أمام إطلاق الحوار الوطني بين الرئاسات الثلاث، وأنّ الأمين العام للمنظمة النقابية، نور الدين الطبوبي، "أجرى لقاءات واتصالات بالرئاسات الثلاث، في مساع ترمي إلى إذابة الجليد بينها"، معرباً عن أمل الاتحاد "في أن توفق جهوده إلى جمع الرئاسات والجلوس إلى طاولة الحوار".

الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل حفيّظ حفيّظ

من جانبه، أكد الأمين العام المساعد المكلف بالوظيفة العمومية حفيّظ حفيّظ في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ اتحاد الشغل مازال يسعى لحل الأزمة، ولإطلاق حوار وطني يشمل مختلف الأطراف المكوّنة للمشهد التونسي، برغم تصريحات الرئيس قيس سعيّد التي أبدى فيها عدّة ملاحظات ضمنيّة، لمّح فيها إلى وجود إشكالية حول الحوار المقرّر عقده.

ولفت حفيّظ إلى أنّ الرئيس تعهّد بالعمل مع المنظمة النقابية على التعجيل بهذا الحوار، على أن يتم إطلاقه في الأيام القليلة القادمة أو بعد أسبوع على أقصى تقدير، مشيراً إلى أنّ الحوار الوطني خيار وحيدٌ بالنسبة لوضعية تونس الحالية، وفي حال وقع التخلّي عنه فإنّ البلد قد يدخل متاهات أخرى لن نحبها.

حفيّظ دعا في السياق ذاته إلى ضرورة مراعاة مصلحة البلاد، وتقديم تنازلات من أجل حماية تونس، مذكّراً بتجربة الحوار الوطني العام 2013، والتي أنقذت البلد من حربٍ أهلية عقب الاغتيالات السياسية التي عاشتها وقتذاك.

الصفحة الرئيسية