الرأسمالية وعدت الإنسان بالنعيم لتحرمه من قنينة البيبسي

الرأسمالية وعدت الإنسان بالنعيم لتحرمه من قنينة البيبسي


31/05/2020

ما هي الملكية الخاصة؟ سؤال طرحه الفيلسوف الفرنسي، جوزيف برودون، قبل قرنين من الزمن، ليجيب قائلاً: "إنّها السرقة"، والتي ظهرت تجلياتها بعد أن اهتزّت القاهرة لمقتل شخص بلا مأوى، عقب تناوله مشروب الـ "بيبسي"، أحد أهمّ مظاهر الحداثة، ولم يدفع ثمنه، فانقضّ عليه صاحب المتجر وشقيقَيْه، ليسقط قتيلاً. كان ذلك قبل جائحة كورونا بشهور.

 الفيلسوف الفرنسي، جوزيف برودون

حداثة البيبسي الهشّة
واقعة رجل البيبسي ليست الأولى من نوعها؛ فقبل بضعة أشهر، تمّ ضرب أب بصحبة طفلته، بعد أن طلبت منه قطعة حلوى فأكلتها، لم يكن لدى الأب ما يدفعه من المال، ليجتمع أصحاب المتجر ويضربوا الأب أمام طفلته.
وكانت الحكومة المصرية أعلنت نتيجة المسح الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لقياس نسبة الفقر في المجتمع المصري، التي وصلت إلى 32.5 %، بزيادة 5% عن عام 2015، وبحسب الباحث الاقتصادي والكاتب الصحفي، وائل جمال؛ فإنّ هذه النسبة لم تصل إليها مصر من قبل، ربما كان هناك ارتفاع في معدلات الفقر بشكل ملحوظ في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، تلك الفترة المتزامنة مع تطبيق برنامج التثبيت والتكيف الهيكلي، الذي فرضه صندوق النقد الدولي على مصر أثناء حكم مبارك، ومع اشتداد حرارة الصيف في القاهرة، يهرع الأثرياء إلى فيلاتهم في الساحل الشمالي، وفي واقعة جديدة من نوعها، تداول العديد من نشطاء التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو، تظهر شباباً من جمعية "مصر الخير"، القائمة على تبرعات المصريين، ينتظرون القادمين من القاهرة إلى الساحل الشمالي، ويوزعون زجاجات المياه المثلجة والعصائر، على السيارات الخاصة فقط، في حين يرفضون توزيعها على سائقي سيارات النقل.

في كتابه "العقل البيولوجي: مدخل فلسفي"، يوضح الفيلسوف الأمريكي، جاستن جارسون؛ أنّ "الإيثار صفة أصيلة في النفس البشرية"

مثل هذا السلوك يطرح تساؤلاً حول طبيعة علاقة الدولة بالفقراء، وهل هناك اضطهاد حقيقي يقع على كواهل هؤلاء، حتى في حقهم في زجاجة مياه مثلجة تروي ظمأهم؟ ربما نجد ضالتنا في الفلسفة؛ ففي كتابه "تأسيس المجتمع تخيلياً"، يعزو الفيلسوف اليوناني، كورنيليوس كاستورياديس، مشاكل المجتمعات الرأسمالية، التي تغلّبت فيها الملكية الخاصة، إلى أنّها توقفت عن مساءلة نفسها، فالمجتمع الرأسمالي، كما يشرح، لم يعد يرى أيّ بديل عن نفسه، ومن ثمّ تنصّل من الواجب الذي يحتم عليه فحص صحة افتراضاته حول العلاقات القائمة، ربما يتماسّ هذا الكلام مع واقع المجتمع المصري؛ ففي كلتا الحادثتين، لم نسمع تحليلاً لأسباب وصول المجتمع لتلك الدرجة من انعدام المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية، لقتل رجلٍ يروي ظمأه، أو ضرب أب يلبّي رغبة طفلته، ولا يملك قليلاً من المال، ويتماس أيضاً واقعنا المعاش مع ما كتبه جورج أورويل، عام 1984، وتأثير الحداثة بلغتها التي لا تفهم سوى المال، على الطبيعة الإنسانية المحبة في أحيان كثيرة للإيثار.
كتاب "العقل البيولوجي: مدخل فلسفي" للفيلسوف الأمريكي جاستن جارسون

هل الملكية الخاصة ضدّ طبيعتنا؟
في كتابه "العقل البيولوجي: مدخل فلسفي"، يوضح الفيلسوف الأمريكي، جاستن جارسون؛ أنّ "الإيثار صفة أصيلة في النفس البشرية"، وتعززت هذه الفرضية منذ تتبعها عالم النفس التطوري الأمريكي، مايكل توماسيللو، في تجربته على الأطفال، عام 2009، والتي نشرتها المجلة الأمريكية للطبّ النفسي، أوضح أنّ جميع أطفال التجربة لم يتوانوا عن مساعدة الآخر داخل التجربة، واقتسام الحلوى التي أعطاها لهم مع الآخر بالتساوي، وبطرف الخيط أمسك جارسون، موضحاً أنّ رغبات الإنسان تنقسم بين غيرية وحديّة، وإذا تمّت تنحية تأثير المجتمع والحسابات العقلية المعقدة، فإنّ الإنسان يميل لمساعدة الآخر، ما دام قادراً على ذلك؛ لأنّه يرى في ذلك سعادة شخصية، وتكمن في مساعدة الآخر، فالأنانية عند جارسون هي صفة مكتسبة وليست أصيلة، يغرسها المجتمع في نفوس أبنائه، وتلعب العوامل النفسية والاقتصادية دوراً مهمّاً في درجة أنانية الفرد، وبعكس الإيثار تخلق المجتمعات الرأسمالية داخل نفوس أفرادها سمة أخرى تناولها سيغموند فرويد وأطلق عليها "التفريد"، باعتباره؛ إعادة ميلاد جديد للإنسان الذي يرى أنّ حضارته المعاصرة هي حدث جديد في حدّ ذاته، نتج عنه إنسان متفرد، ينغمس في ذاتية أشدّ انغماساً، مبتعداً عن المجتمع الذي ينتمي إليه.

المجتمع الرأسمالي لم يعد يرى أيّ بديل عن نفسه، وتنصّل من الواجب الذي يحتم عليه فحص صحة افتراضاته

وعلى عكس فرويد؛ تناول عالم الاجتماع الألماني، أولريش بيك، مصطلح التفريد، باتجاه آخر، في دراسته المعنونة "ما وراء الطبقة والمكانة"، والتي أرّخت للفردانية باعتبارها تاريخاً متواصلاً غير مكتمل وله مراحله المميزة، ويرى بيك أنّ التفريد ميلاد جديد للفرد، باعتباره سمة دائمة لسيرورة التحديث الوسواسي القهري المتواصل على الدوام، ونجد في تشريح بيك، نقداً لما يُعرف بمدرسة "الفردانية المنهجية"، والتي نبتت في فرنسا، مع اتساع رقعة عملية التحول الاقتصادي التي تنتصر للفرد على حساب الجماعة، وتقدم له الفردانية باعتبارها سلعة، يتكبّد من أجل الحفاظ عليها كلّ ثمن يُطلب منه، حتى لو كان هذا الثمن، هو التخلي عن إنسانيته في جوهرها، يقدّم بيك مجتمع ما بعد الحداثة التي نبتت في الغرب، خلال القرن التاسع عشر، وتمركزت فيه بنزعتها الرأسمالية الذكورية، تحاول أن تسيطر من خلاله على الأطراف، وفي الوقت ذاته تعزّز في الأفراد أنانيتهم، وتعيد تشكيل طبيعتهم، التي في النهاية تحقق الطابع التميزي الذي يتفاخر به الغرب ضدّ العالم نفسه.

سيغموند فرويد

جحيم الملكية الخاصة

مثل تلك الممارسات التي تحرم الفرد من أبسط حقوقه، تمارس بدافع حماية الملكية الخاصة، والتي تعرضت لها جميع مدارس الاقتصاد بوجهات نظر متباينة، فالنيوليبرالية، باعتبارها المعزز الأكبر لمفهوم الملكية الخاصة، تطرحها كمسألة حياة أو موت، لا تعبأ بالجماعة، وهو ما حاول إبرازه المخرج الأمريكي، جايمس ديمانكو، "في سلسلة أفلام التطهير أو (The Purge)، التي قدّمها في أربعة أفلام، بداية من عام 2013، ويمكن أن نطلق عليها "فانتازيا المجتمع المعاصر"؛ حيث خصّصت الحكومة الأمريكية يوماً من كلّ عام، يُسمح فيه للجميع أن يقتلوا دون أن يخضعوا للقانون، وعليه يخرج الأغنياء أصحاب المال والنفوذ بعد حماية منازلهم بحراسات مشددة، وبوابات إلكترونية، شديدة الأمان، حاملين بنادقهم وأسلحتهم لاصطياد الفقراء والسود، وبالطبع هؤلاء غير قادرين على امتلاك الأسلحة، بعد أن حظرت الدولة بيع الأسلحة لهم، ما يمنح الأثرياء فرصة ذهبية لتخليص المجتمع من الفقراء والضعفاء غير المرغوب فيهم، باعتبارهم عبئاً على اقتصاد الدولة، وعقبة في طريق الأغنياء لتحقيق مزيداً من الرفاهية، أمّا في الواقع، ربما لم يصل الأمر حدّ المواجهة الصريحة بين الأغنياء والفقراء بعد، ولكن الحداثة بمفهومها الصلب، الخالي من الإنسانية، أعادت تشكيل الطبقات الاجتماعية بشكل منفصل، ربما أشد وطأة من الفصل العنصري، محاولة أن تُخضع الفقراء لتأثير الدين والرضا بما يملكونه، لأنّ الله من أرادهم فقراء، وليس لأنّ الموارد توزَّع بشكل غير عادل".

اقرأ أيضاً: كيف لفرويد أن يفسّر ظاهرة الشعبويّة؟

ربما كان هذا هو سبب كراهية كلٍّ من التيار الإسلامي والنيوليبرالي لأفكار الفيلسوف الألماني، كارل ماركس، بشأن الملكية الخاصة، فالإسلام كما قدّمه الإخوان المسلمون، الذين يعدّون تياراً سياسياً إسلامياً بالمقام الأول، يعزّز الملكية الخاصة، ولا يضع شروطاً تحدّ من الفقر، غير آليات التكافل الاجتماعي، والصدقات والزكاة، وهي بدورها إعادة إنتاج للفقر نفسه؛ ففي المجتمع الإسلامي يجب أن يكون هناك أثرياء وفقراء، الأثرياء ينفقون من أموالهم فضلاً، فيأخذوا مباهج الدنيا بأموالهم، والآخرة بصدقاتهم، والفقراء يأخذون ليحصل الأغنياء على الثواب الأخروي، الذي ينتظره الفقراء على مضض؛ ففي أحد أشهر أدبيات الإسلام، التي يتغني بها هذا التيار، مفهوم اليد العليا، والتي هي خير من اليد السفلى، يصبح الفقراء أنفسهم وسيلة عبور الأثرياء إلى جنّة الآخرة، لذلك إلغاء الملكية الخاصة هو أكثر ما يقضّ مضاجع الأثرياء، ويدفعهم لأن ينفقوا مزيداً من الأموال، كي يستمرّ الوضع على ما هو عليه.

كارل ماركس

لماذا يكرهون ماركس؟

يناقش كارل ماركس مسألة الملكية الخاصة في معظم كتاباته، بدءاً من المسألة اليهودية، وانتهاءً برأس المال، على قمة باكورة أعماله الفلسفية؛ ففي المسألة اليهودية، قدّم ماركس نقداً للمادة 16 من دستور 1793، والتي نصّت على أنّ "حقّ الملكية هو حقّ يجب أن يتمتّع به كلّ مواطن، كما يريد، بممتلكاته ومدخولاته وثمار عمله واجتهاده، ويتصرف به"، ليردّ ماركس بقوله: "إذاً؛ فحقّ الإنسان في الملكية الخاصة هو حقّه في أن يستمتع ويتصرف بثروته كما يريد، دون مراعاة الناس الآخرين، وبصورة مستقلة عن المجتمع، حقّ المنفعة الذاتية، إنّ تلك الحرية الفردية واستخدامها المطلق، يشكلان أساس المجتمع البرجوازي".

اقرأ أيضاً: قطار الوعي القادم في آخر النفق: النجاة على طريقة ماركس ونيتشه وفرويد

وفي كتابه "نقد فلسفة الحقّ عند هيجل، تحدّث عن إلغاء الملكية الخاصة، باعتبارها سبب جحيم العمال الذين عاصروه في مطلع الثورة الصناعية الثانية"، قائلاً: "عندما تعلن البروليتاريا عن انحلال النظام السالف؛ فهي تفصح عن سرّ وجودها ذاته، لأنّ هذا السرّ يمثل الانحلال الفعلي لهذا النظام، عندما تطالب البروليتاريا بإلغاء الملكية الخاصة، فإنّها لا تفعل سوى أنّها تنادي بأساس للمجتمع، ما جعله المجتمع أساساً لها، وهو ما تمثله البروليتاريا، دون إرادة منها؛ حيث إنّها الحصيلة السلبية للمجتمع، عندئذ يجد البروليتاري نفسه، بالنسبة إلى العالم المقبل، متمتعاً بالحقّ نفسه الذي يتمتع به الملك الألماني بالنسبة إلى العالم القائم، وذلك عندما يقول عن الشعب إنّه شعبه، كما يقول عن الحصان إنّه حصانه، فالملك، بإعلانه أّنّ
الشعب ملكية خاصة له، لا يعني سوى أنّ صاحب الملكية الخاصة ملك".

الصفحة الرئيسية