"الدعوة الإسلامية" لعبدالله عزام: لا إسلام بدون الإخوان

صورة محمد الزبيدي
كاتب أردني

1986
عدد القراءات

2018-06-03

يعدّ كتاب "الدعوة الإسلامية، فريضة شرعية وضرورة بشرية"، للدكتور عبد الله عزام، الذي ألّفه باسم مستعار، هو"الدكتور صادق أمين"، العام 1982، المدخل والكتاب الأول الذي يضعه المكلّف بضمّ إخواني جديد بين يدي من يريدون تجنيده في كوادرهم الإخوانية.

لمن اختاروا طريق الموت

ويُهدي عبد الله عزام هذا الكتاب، كما يظهر في بدايته، إلى "الباحثين عن الحقيقة، والمتطلعين للشهادة، والتوّاقين للفردوس"، ومن ثم يقول: إنّ "هذا الكتاب للعازمين على التخلص من وحل الجنس، ومن نتن المستنقع، وأوضار المادة"، وفي ذلك محاولة لتنفير عقل القارئ المسلم من مظاهر الحضارة الحديثة، من رأسمالية وشيوعية، وذلك قبل زوال الاتحاد السوفييتي.

ويجد القارئ، من بداية الكتاب، أنّه موجه لأناس اختاروا طريق الموت، و"الاستشهاد الإسلامي" سبيلاً ومنهج حياة، وتتملّكهم عزيمة راسخة لإقامة نظام ديني إخواني، تكون الشريعة فيه وسيلة لإخضاع رقاب الناس لحاكم ديني مستبد، لا يقبل من عامة الشعب إلا السمع والطاعة لولي الأمر، وهنا يستشهد عزام بقول لابن القيم مفاده: "حاجة الناس للشريعة أعظم من حاجتهم للتنفس والطعام

يعدّ كتاب"الدعوة الإسلامية: فريضة شرعية وضرورة بشرية"لعبدالله عزام مدخل تجنيد في الكوادر الإخوانية

ومن ثم يستطرد بأنّ البشرية الآن معذبة، وتعيش عصور الشقاء والضياع، وأنّ المنقذ هو إسلام بنكهة إخوانية سلفية، وهذا أسلوب إخواني في الدعوة الدينية، يتركز على غرس فكرة في عقل الإنسان المستهدف بالدعوة، بأنّه هو الأفضل والأكمل والأحسن بين البشر، وأنّ الأمم الأخرى لا أخلاق، ولا قيم، ولا حضارة، ولا إنسانية عندهم، وبذلك يستعلي هذا الفرد استعلاءً زائفاً، ويبدأ بالنظر بازدراء واحتقار إلى الأمم والعقائد الأخرى، وأنّها مجتمعات جاهلية كافرة جاحدة لا تعرف أين تكمن مصلحتها، ولا تقدر أن تميّز الخير من الشرّ، وهذه الطريقة التضليلية في استقطاب الأتباع، تخلق أفراداً وجماعات كارهة للحضارة، والتقدم العلمي، وتريد هدم كلّ شيء في هذا العالم، ومن ثم بناء نظام يقوم على أسس دينية بحتة، يُقصى به المخالف، ويرفع من شأن الموالي، والتابع المطيع لتعليمات هذا النظام.

غلاف الكتاب

ورثة الأنبياء

ويبدأ عبد الله عزام كتابه قائلاً: إنّ "الحركة الإسلامية، ويقصد بها الإخوان المسلمين، ضرورة"، ويصور للقارئ أنّ حركته هي الإسلام، وأنّ من انضوى تحت لوائها فهو مسلم بحق، أما من بقي خارج السرب، ففي دينه شكّ وريبة، وهذا المنهج الإخواني في استقطاب الأتباع، هو تطبيق عملي لفكرة سيد قطب عن مجتمع الجاهلية.

يروج عزّام أنّ البشرية معذبة وتعيش عصور الشقاء والضياع وأنّ المنقذ هو إسلام بنكهة إخوانية سلفية

ثم يوحي للإخواني الجديد، بأنّه من ورثة الأنبياء الذين ساروا على طريق دعوة الناس لأديان جديدة، ولذلك لاقوا العنت والمشقة في دعوتهم، ويحاول أن يبثّ الأمل في قلبه عن طريق استخدام آية قرآنية، هي: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، ومن ثم يرفع من مستوى التضليل الديني في نفس هذا العضو الجديد الملتحق بالحركة، حيث يقول: إنّ "الدعاة، ويقصد بذلك الإخوان المسلمين، هم أدوات يحركها القدر"؛ أي إنّهم جند من جنود الله، وكلّ ذلك يترك وهماً لذيذاً في نفس الإخواني الجديد، وأنّ عمله هذا هو عمل الأنبياء، وأنّ الله يوجه أفعاله وحركاته، وأنّ انضمامه للجماعة كان قراراً إلهياً، وليس قراراً شخصياً لهذا العضو الجديد.

ومن ثم يَعمد الكِتاب لمهاجمة القوانين، والأنظمة، والأفكار العالمية، بلا هوادة، بأنّها جلبت الشقاء والتعاسة للإنسان المعاصر، ومن بعدها يهاجم الشعراء والفنانين، والأدباء، والفلاسفة العرب والمسلمين المعاصرين، ويتهمهم بأنّهم جلبوا أفكاراً وآراء مخالفة لعقيدة الإخوان ودينهم. ويستطرد هنا قائلاً: إنّ "المرأة وحقوقها، وحرياتها استخدمت كسلاح لتخريب المجتمع المسلم، وإنّ أمثال قاسم أمين وهدى شعراوي كانوا أدوات صهيونية غربية لتدمير القيم الدينية عند المسلمين".

الوجه الحقيقي للإخوان

يكشف عبد الله عزام عن وجه الإخوان المسلمين الحقيقي في كتابه هذا؛ حيث يظهر بجلاء أنّ الإخوان  غير راضين أبداً عن كلّ مظاهر الحياة المدنية والحضارية، والثقافية، والفنية، والأدبية، والاجتماعية، التي اعتمدها العرب في بداية القرن العشرين، والتي كانت محاولة من زعماء العرب وقادتهم للتخلص من ربقة ما يقارب من 800 عام من التخلف الحضاري والعلمي والثقافي، الذي كان سائداً منذ نهايات الخلافة العباسية، وأثناء حكم الخلافة الإسلامية العثمانية، التي لم تبنِ أيّة مدرسة أو جامعة في ديار العرب والمسلمين، طوال حكمها الذي ساد لقرابة 700 عام؛ بل شغلت المسلمين بحروب توسعية لا طائل منها.

يكشف عزام في كتابه هذا عن وجه الإخوان المسلمين الحقيقي الساخطين على كلّ مظاهر الحياة الإنسانية

وفي الفصل الثاني من الكتاب، يحاول عبد الله عزام مناقشة فكرة الانضمام للأحزاب، التي كانت مرفوضة من قطاعات شعبية عربية كبيرة في ذلك الزمان (العام 1982). لكنّه يعمد إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويستخدم منها ما يحثّ على أهمية الانضمام للجماعة، وأنّ يد الله مع الجماعة، وإن كانت تلك الآيات والأحاديث تتكلم عن المجتمع الإسلامي بشكل عام، إلا أنّ عبد الله عزام استخدم إيحاءات هذه النصوص الدينية، لإيصال فكرة أنّ المقصود بالجماعة الآن؛ هم حركة الإخوان المسلمين، وأنّ ثواب من يدخل الجماعة الدخول المضمون للجنة بعد الموت.

البنا: الإخوان هم أصحاب الرسول وحملة رايته ورافعوا لوائه وحافظوا قرآنه وناشروا دعوته!

تكتيكات سيد قطب

يطبق عزام تكتيكات سيد قطب في العمل الحركي الإخواني؛ التي تقول بمبدأ "المخالطة مع التميز"؛ أي أن ينغمس العضو الإخواني في المجتمع، الذي يعتقد أنّه جاهلي، ويعمل على تغييره، من غير أن يستقبل، أو يتمثل أيّة أفكار، أو آراء، أو عادات من هذا المجتمع الكافر، بحسب اعتقاد العنصر الإخواني، ويكون ولاء الإخواني هنا فقط لقادة تنظيمه وعلمائه، ويقول في أحد فصول الكتاب: إنّ "علماء تنظيم الإخوان وأفراده يجب أن يكونوا أقرب لنفسك من والديك وأهلك وأقاربك، إن قررت أن تلتحق بصفوف الجماعة".

يطبق عزام تكتيكات سيد قطب في العمل الحركي الإخواني التي تقول بمبدأ "المخالطة مع التميز"

وبعد أن يغرس عبد الله عزام فكرة أنّ الانضمام إلى جماعة إسلامية واجب وضرورة لكل مسلم، يشرع بتدمير حصون المنافسين، والخصوم من الحركات الإسلامية الأخرى، ويضع هنا ملامح ومميزات للحركة الإسلامية المخولة بتقويض دعائم أركان المجتمع الجاهلي، وإعادة المسلمين لمنهج الخلافة الدينية، ومن ثم يستعرض الحركات الإسلامية، واحدة تلو الأخرى، بدءاً من "جماعة التبليغ" التي تعتمد أسلوب الحركات التبشيرية المسيحية، ومن ثم يعرِّج على الدعوة السلفية، التي برأيه تقضي جميع وقتها في التعبد ودراسة الفرعيات من الفقه، ومن بعد ذلك يناقش أفكار الجماعات الصوفية التي تعنى (بقوله) بالجانب الروحي والباطني، ولا تعبأ بقضايا الناس وهمومهم، ومن ثم يعالج التنظيم الأكثر منافسة للإخوان، رغم قلة شعبيته، ألا وهو "حزب التحرير"؛ الذي أسسه تقي الدين النبهاني العام 1953 في فلسطين، ويحاول عبد الله عزام هنا أن ينتقد أساليب وأدوات هذا الحزب، ومن ثم يتهمهم باستحلال دخول غير المسلم أو المرأة إلى مجلس شورى الخلافة، ومن ثم يستخدم الجنس للتنفير من منهجهم عن طريق اتهام أعضاء حزب التحرير بأنهم يصافحون النساء ويكلمونهنّ في مجالسهم.

بعد أن يغرس فكرة أنّ الانضمام إلى الجماعة واجب على كل مسلم يشرع بتدمير حصون المنافسين

ويصل عبد الله عزام، في نهاية المقارنات غير الموضوعية، في كتاب الترويج الحزبي هذا، إلى نتيجة مفادها: أنّ المنهج القويم، والطريق الصحيح برأيه هو الذي تتبعه حركته، أي جماعة الإخوان المسلمين، ويتفنّن في تمجيد الإخوان، ومدح كتابات حسن البنا، مؤسس الجماعة، إلى درجة أنه جعل الإسلام الصحيح هو منهج الإخوان، وليس سواه.

   ويقول، نقلاً عن البنا، إنّ "الإخوان المسلمين، ولا فخر (والكلام لحسن البنا هنا)، هم أصحاب الرسول، صلّى الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعوا لوائه، وحافظوا قرآنه، وناشروا دعوته، وهم (أي الإخوان) رحمة الله للعالمين"، وفي ذلك كِبر وخيلاء وغرور، لم تستطع أية جماعة إسلامية أن تدعيه لنفسها عبر العصور الإسلامية الطويلة.

ومن يقرأ كلمات حسن البنا التي يقدمها عبد الله عزام في نهاية كتابه هنا، يحس واهماً كأن نبياً جديداً ظهر بين المسلمين. ويدرك كما لو أنّ الدين الإسلامي قد تم اختطافه وحشره في قمقم جماعة الإخوان المسلمين، ومن هنا تتولّد الخشية الكبيرة من أساليب التلاعب النفسي والعقلي، التي يستخدمها هذا الكتاب لاستقطاب الشباب المسلم، وبسطاء الناس إلى معاقل وخلايا هذا التنظيم السري.

اقرأ المزيد...

الوسوم: