الحوار مع إيران فكرة ميتة

الحوار مع إيران فكرة ميتة

مشاهدة

20/01/2021

فاروق يوسف

حتى وإن كانت الأمور بعيدة عن السياسة فإن إيران تراوغ في حوارها مع الآخرين. المراوغة هي أسلوبها الذي لا يمكن أن تتخلى عنه بحيث صار الكثيرون يعتقدون أنه طبع إيراني.

في كل المناسبات ومع كل الجهات كشف النظام الإيراني عن نزعة عميقة إلى اللعب بالوقت وعليه. وهو يفرض على الآخرين أن ينتظروا من غير أن يعدهم بشيء يكون نتيجة لما انتهى إليه الحوار الثنائي.

هناك فائض من القضايا التي لا صلة لها بالحوار تستعملها إيران كعثرات أو مصائد على الطريق. فهي كمَن يكلم نفسه وينصت إليها ويفرض عليها شروطه بعد أن يكون قد أضناها.

على مَن يحاورها أن يكون مستعدا للعب معها خارج الملعب أغلب الوقت. فهي لا تُظهر ما ترغب فيه وهي لا تعترف بحقيقة ما تفكر فيه وما ترغب في الحصول عليه وهي لا تكلف نفسها عناء النظر إلى كرامة الآخر الذي يحاورها بالرغم من أنها لا تُظهر أي نوع من الخشونة إذا ما تأكدت أن الجانب الآخر يمكن أن يلجأ إلى استعمال القوة.

الدول التي حاورتها انتهت إلى الفشل على كل الأصعدة وكان عليها أن تُعلن أن الحوار معها أمر ميؤوس منه لأنها لا ترى في الوصول إلى اتفاق يجعل الآخرين مقتنعين بأن الحوار معها كان ذا فائدة أمرا ضروريا.

تريد إيران أن تكسب من غير أن تعطي.

كما أنها تريد أن تفرض حقوقها من غير أن تؤدي ما عليها من واجبات.

لكن الأكثر بشاعة يكمن في أن نظام آيات الله الحاكم فيها لا يؤمن بأن للآخرين حقاً في مناقشتها في ما يتعلق بها وبسياساتها التوسعية وخططها ومشاريعها الحربية وسواها من الأمور التي تقع خارج مبدأ السيادة. فهي الوحيدة التي تملك الحق. ذلك ليس غريبا عليها. مبدأ تستلهمه من نظامها الشمولي القائم على وهم الارتباط بالسماء وهو النظام الباقي فيما الأنظمة الأخرى بمختلف أنواعها زائلة بسبب كونها مجرد كيانات أرضية لا تستند على حماية الهية ولا تعمل على أساس الوحي الالهي.

ليس صحيحا تصنيف النظام الإيراني كونه نظاما عقائديا مثل الأنظمة التي حكمت الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية سابقا والصين وكوبا وكوريا الشمالية حاليا.

تلك أنظمة مغلقة غير أنها ليست عمياء تماما. النموذج الصيني يهبنا نموذجا فريدا من نوعه. فالانغلاق السياسي لم يمنع قيام اقتصاد منفتح على العالم. تلك معادلة يمكن أن تُشم من خلالها رائحة الإنسان ومصالحه.

أما المعادلة الإيرانية فإنها لا صلة لها بالتجربة الإنسانية.

إيران هي الدولة الدينية الوحيدة في العالم المعاصر وهي محظوظة من وجهة نظر آيات الله الذين يحكمونها لأنها تمهد لظهور الإمام الغائب الذي سيملأ الأرض عدلا وسلاما بعد أن امتلأت فسادا وحروبا.

لذلك فإنها لم تختر الحرب بل كانت الحرب خيارها الوحيد الذي تؤكد من خلاله تمسكها بقدرها الالهي. في حقيقة أمرها فإن إيران دولة تصرف شؤونها وفق فكر غيبي متهالك ليس له أدنى صلة بما يفكر فيه البشر في بقية أنحاء العالم وهي لا تملك أي خطوط مشتركة تصل بينها وبين دول العالم.

وإذا كانت إيران قد نجحت في إقامة علاقات اقتصادية مع دول كالصين وروسيا فإن تلك العلاقات لم تقم على فهم سياسي مشترك بل نشأت لسببين. الأول وهو الأهم يتعلق بمصالح تلك الدول الاقتصادية والثاني يرتبط برغبة تلك الدول في مشاكسة الولايات المتحدة وإزعاجها بسبب خلافها البنيوي العميق مع إيران. وهو الخلاف الذي سعى الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى التستر عليه لأسباب تتعلق بموقفه غير الودي من العرب والمسلمين.

وهنا لابد أن نتذكر أن الاتفاق النووي ما كان في الإمكان التوصل إليه لولا موقف أوباما الضاغط على الأوروبيين للقبول بإيران شريكا. وما يؤكد ذلك أن أوروبا فشلت في حوارها مع إيران حول النووي حين انسحبت الولايات المتحدة منه.
لا يمكن لإيران أن تنجح في أي حوار مع الآخرين.

لذلك فإن أية دعوة إلى الحوار مع إيران انما تنطوي على مغالطة للواقع. فإيران لا تقدم نفسها في المنطقة إلا من خلال ميليشياتها المسلحة ومناوراتها الحربية. وهي لا تملك إلا لغة الحرب. أيُعقل أن دعاة الحوار معها يجهلون ذلك؟

أعتقد أن تلك الدعوة تنطوي على الكثير من الضحك على العقول. وإيران نفسها لا تصدقها. فهي لا ترى في الحوار، أي حوار إلا مناسبة للحصول على أشياء ليست من حقها. وهي لا تراعي مصالح الآخرين إلا عن طريق القوة.

في حالة واحدة يمكن أن ينجح الحوار معها. أن تكون مضطرة إليه.

عن "ميدل إيست أونلاين"

الصفحة الرئيسية