الحوار مع إرهابي وأسئلة غائبة

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية

1099
عدد القراءات

2017-11-22

لم أتعاطف أبداً مع تلك الهستيريا التي أصابت كثيراً من المتابعين لحوار أجراه إعلامي مصري مع الإرهابي الليبي عبدالرحيم المسماري، الناجي الوحيد من مجموعة "هجوم الواحات"، التي نفّذت أخطر حادث إرهابي استهدف مفرزة أمنية مصرية على الحدود الغربية الشهر الماضي.

فجأة أصبح جلّ من تابعوا الحوار خبراء فى الحركات الإسلامية وروّاداً للوسطية الإسلامية، يقفون على أرضية راسخة قوامها المعارف الدينية الصحيحة، وقد استقامت في نفوسهم كل مفاهيم الدين.
وفجأة أصبحوا خبراء في إجراء الحوارات مع الإرهابيين، رغم أنّ بلادنا انقطعت فيها تلك التجربة منذ الثمانينيات، والتي طالعنا فيها جميعاً تجربة ندوة للرأي، التي كان يديرها الإعلامي الراحل حلمي البلك، الذي رغم امتلاكه ثقافة واسعة وحضوراً كبيراً، اقتصر دوره في تلك الندوات على موقف المدير بين علماء من الأزهر وخبراء في علوم الاجتماع والنفس وغيرها من العلوم المتصلة بالظاهرة.
يا سادة أين هو هذا المذيع الذي اكتملت لديه كل فروع الثقافة، فأضحى مؤسسة في شخص واحد، فضلاً عن التمكّن من علوم الدين وما تضمّنته من بنود إشكالية تحتاج مناقشتها إلى عالم دين أو متخصص.
قد يقول البعض إنّ هناك مذيعين متخصصين في هذا الباب كان بإمكانهم أن يناقشوا هذا المتّهم ويفحموه ويفندوا أفكاره. وأزعم أنّ أي مذيع كان سيجلس مكان هذا الإعلامي، لم يكن يستطيع مجاراة متّهم آمنَ بأفكار ووقف عليها حياته وأبدى استعداداً للتضحية بتلك الحياة التي أكد في الحوار "أنّها بلا قيمة".

أحد أسباب استمرار تمويل الإرهاب هو دعم أفراد يعتقدون أنّهم يدعمون الجهاد الذي هو من أركان الإسلام

الأسئلة الغائبة في هذا الحوار هي: أين كانت المؤسسة الدينية الرسمية في حياة هذا الشاب وغيره؟
هل يبدو عبدالرحيم المسماري نموذجاً مختلفاً لا نعرفه ولم يصافح وجوهنا في مجتمعاتنا، أم يبدو وجهاً مألوفاً قضى نحبه في إرهاب أو لايزال ينتظر؟
هل حرّرنا القضايا التي صنعت تصور المسماري وغيره تحريراً جعلها معلومة من الدين بالضرورة كشهادة التوحيد؟
أعني هنا بالطبع قضية التكفير بعيداً عمّا بسط في كتب الفقه القديمة من البحث في توفر الشروط وانتفاء الموانع ووقوع الاستتابة أو عدم وقوعها، أعني مناقشة قضية التفكير بالأساس أو حتى الردة  هل نحن من سنحاسب الخلق على الإيمان والكفر، وقد جعله الله حقاً خالصاً له يحاسب الناس عليه أو يعفو عنهم بمشيئته يوم يقوم الناس لرب العالمين؟!
هل حرر علماؤنا هذا المعنى بالتأكيد على أنّ حرية العقيدة من ثوابت الدين، وأنّنا معنيون فقط بالانتصار لسيادة القانون في دولة مدنية وأنّ الحديث عن تلك الأحكام مرتبط بماضٍ تجاوزته البشرية سواء في بُنى الدولة أو نسق القيم والقانون فيها.

تبقى قضية التكفير بوابة واسعة لاستهداف الخلق بوهم التعبّد لله بما لم يأمر به ولم يشرّعه لعباده، القيمة المركزية في هذا الدين الرحمة التي ابتذلها خطاب القاعدة وداعش بالثناء على الضحوك القتال من بعث بالسيف رحمة للعالمين.
تباينت وسائل جماعات التطرف في فرض الوصاية على المجتمعات، فتوسل الإخوان بالتقية السياسية وسيلة لفرض تلك الوصاية، ثم الكشف في النهاية عن وجه لا يتمايز عن وجه داعش والقاعدة قبحاً ووحشية، واللتان لا تكفان عن التصريح بأنّ الناس إما مؤمنون على شروطها أو كفار وجب قتالهم حتى قيام الساعة.

توسل الإخوان بالتقية السياسية وسيلة لفرض الوصاية على المجتمعات ثم الكشف في النهاية عن وجه لا يتمايز عن وجه داعش والقاعدة قبحاً ووحشية

هل حرر علماؤنا معنى الطائفة الممتنعة عن تطبيق بعض شرائع الإسلام، ذلك الباب الثاني لاستباحة أرواح مسلمين بدعوى الامتناع عن تطبيق بعض شرائع الإسلام، هلّا عرف علماؤنا ما هي شرائع الإسلام وما مكانها في بنية الدولة الحديثة التي يحكمها دستور وقانون؟
هل حرر علماؤنا معنى الولاء والبراء، وهل هي قضية عقدية أم سياسية ينظمها عقد اجتماعي يحتكم لمعايير إنسانية تحت راية المواطنة التي لا تفرق بين الناس على أساس دين أو جنس أو عرق؟
هل حرر علماؤنا سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتاريخ هذه الأمة، وفرقوا بوضوح بين تاريخ اجتماعي وتطور بشري وأوامر إلهية صارمة واجبة التطبيق دون تأويل أو تعطيل؟
هل حرّر علماؤنا معنى الجهاد اليوم وشرحوا لنا كيف يسمى تمويل الإرهاب صدقة جارية وتجهيزاً لغازٍ في سبيل الله ونصرة لدين الله، حتى يتصدق الفرد لا تعلم يده اليمنى ما أنفقته يده اليسرى، على الإرهاب كما ذهب الإرهابي في تفكيره، ليس سراً بالطبع أنّ أحد أسباب استمرار تمويل الإرهاب هو دعم أفراد يعتقدون أنّهم يدعمون الجهاد الذي هو من أركان الإسلام بدعم جماعات الإرهاب.
إنّ أفكار الإرهاب قابلة للتفكيك لاشك، لكن هل بإمكان مذيع مهما بلغت ثقافتة أن يحقق هذا الهدف، أم أنّ الأمر فوق طاقة أي مذيع يعدم بنية فكرية وسياسية واقتصادية داعمة لهذا الهدف.
لاشك أنّ الحوار المشار إليه ألقى بحجر في بحيرة مياه راكدة، وربما يبقى هذا هو هدف الحوار وما نجح فيه، لكن هذا الإخفاق المزعوم للحوار لا يجب أن يثنينا عن توجيه الأسئلة الصحيحة التي تصنع بيئة جديدة، تقبل حواراً من هذا النوع بعد تحقق شروط نجاحه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: