التعصب الأعمى: كيف أفسدت ثقافة "الألتراس" الحياة الاجتماعية المصرية؟

التعصب الأعمى: كيف أفسدت ثقافة "الألتراس" الحياة الاجتماعية المصرية؟

مشاهدة

13/01/2021

لم تحظَ جماعة من الجماعات الاجتماعية برضا الشعب وتعاطفه كجماعات التشجيع المنظمة، أو ما يطلق عليه (الألتراس) في النطق الإنجليزي، أو(الأولترا) في اللغة الفرنسية، ونادراً ما وُجد بيت مصري لم يردد أهازيجهم وأناشيدهم الحماسية، بل ربما انخرط بعض أبنائهم في تنظيماتهم في مرحلة من المراحل.

وقد سُمح لتلك الجماعات بالتواجد في الحياة الرياضية وبالتوسع والانتشار في باقي مدن القطر المصري، وكان الظنّ أنها رافعة اجتماعية رياضية، تنشر القيم والأخلاق الرياضية النبيلة، مثل تقبل الهزيمة والاعتراف للخصم بالتفوق واللعب النظيف والتشجيع المحترم البنّاء.

انتقلت روح الألتراس من المجال الرياضي إلى المجتمع ككل بما تحمله من تعصب وإساءة للآخر وخطاب كراهية

اقتحمت "الألتراس" حياة المصريين وهم يشاهدون المباريات، فكلّ رابطة تتفنن في أن تأخذ الأضواء من الأخرى من خلال التعبيرات والإيماءات والحركات والإشارات والدخلات الرائعة التي يقومون بها، والتي تعبّر عن الانتماء السامي للنادي الذي يحبونه، ثمّ تطور إلى التشجيع والتعصب الأعمى وشحن الجماهير.

لا ننكر أنهم  في البداية حازوا على إعجاب بعض الشباب مع تحفظ الناضجين، خصوصاً وهم يهتفون ضد رجال الشرطة الذين كانت علاقتهم بالشعب سيئة ومأزومة، فلم يكن من المقبول إهانة رجل الشرطة في الملاعب، فهو رمز الدولة رغم التجاوزات من بعضهم.

اقرأ أيضاً: متى يصبح التعصب خطراً على الفرد والمجتمع؟

تميزت جماعات الألتراس بالشجاعة إلى حدّ التهور، والتفاني في حبّ النادي والتوقف عن التشجيع العادي، للولوج إلى حافة التشجيع الهستيري، فهم يديرون ظهورهم للمباراة ولا يستمتعون بمجرياتها، ويدخلون في حالة تماهٍ تام مع الفريق إلى حدّ الذوبان فيه، وبالتالي لا يقبل الخصم ولا يعترف له بأي فضل، وأصبح الجهر بالتعصب وإعلان الكراهية ميزة وفضيلة وقيمة، وأصبح التشجيع الغوغائي، وإثارة جماهير فريق ضد جماهير الفريق المنافس، سلوكاً مقبولاً من الجماهير، وللأسف انزلق في هذا السلوك بعض الصفوة، فعندما يعلن فنان أنه ضد الفريق (الفلاني)، ويتورّط في وصف جماهير خصمه بألفاظ غير لائقة، هنا يكون دخول الألتراس خطراً على المجتمع وليس رافعة اجتماعية، وقد حاول البعض التحذير من القيم الجديدة التي تحملها جماعات التشجيع للشباب.

اقرأ أيضاً: التعصب والتنمر.. هل من رابط؟

وفجأة قبل أن يتمكّن علماء الاجتماع من فحص الحالة واكتشاف خطورتها، انتقلت روح الألتراس من المجال الرياضي إلى المجتمع ككل، بما تحمله من تعصب وعنف وإساءة للآخر وخطاب كراهية مذموم، من الرياضة إلى الفن، ومن الفن إلى السياسة، ومن السياسة إلى الحياة الحزبية، ومن الحياة الحزبية إلى رجال الأدب والثقافة، ومن ثمّ ارتفع مؤشر التعصب والاحتقان، ولم تعد القصة مباراة كرة خسر فيها فريق، ولم تعد سقطة للاعب يهاجمه المشجعون ويهتفون ضده، بل أصبحت روح الألتراس أسلوب حياة.

السياسي كي ينجح عليه صنع ألتراس يدافعون عنه ويهاجمون خصومه وكذلك الكاتب والفنان بل حتى الشيوخ

فالسياسي كي ينجح عليه أن يصنع ألتراس يدافعون عنه ويهاجمون خصومه، وكذلك الكاتب والفنان بل حتى الشيوخ، ودارت معارك اتّسمت بالعنف اللفظي الذي يعاقب عليه القانون، ومع تغير المجتمع للعالم الافتراضي ومعاييره تغير أيضاً مسرح المعارك، فقديماً كانت الجرائد والمجلات هي المهتمة بهذا الشأن.

وفي العصر الرقمي وظهور عالم السوشيال ميديا "الفيس بوك/ اليوتيوب/ تويتر" أصبح معيار الكاتب والفنان والسياسي والشيخ والداعية بحجم متابعيه وبقدرتهم على الدفاع عنه والحطّ من خصمه، وزاد الطلب على هذه الجماهيرية، وأصبح هدفاً في حدّ ذاته، هنا دخلت اللجان الإلكترونية على الخط، وأصبح السياسي أو الفنان أو الكاتب  يحرص على أن يكون له مريدون ولجان تدافع عنه لا عن فنه ولا عن منتجه الأدبي أو الدعوي أو اتجاهاته السياسية، ويهاجمون خصمه مهما كان يقدّم منتجاً رائعاً، المهم تكسيره وتحطيمه، ويتم كلّ هذا بروح الألتراس.

اقرأ أيضاً: كيف يفكر المتعصب للتاريخ العثماني؟

الأمثلة أكثر من إمكانية إيرادها، بل أزعم أنّ أيّ مراقب للحياة الاجتماعية المصرية سيكتشف بسهولة ارتفاع نسبة التعصب والتنمر وسهولة اتهام الآخر بدون دليل وبدون أيّ التزام أخلاقي، مثل تلك المعركة التي دارت بين مثقفي مصر عندما قامت لجان إلكترونية تهاجم كاتباً بذاته كانت مجلة أدبية مصرية قد وضعت صورته مستقلاً على غلافها قبل شهرين، ونشبت معارك جانبية ومعارك رئيسية، وكلها تدور حول كيف ولماذا تمّ وضع صورة الكاتب على الغلاف؟ وسط حملة من التخوين لمن قام بهذا العمل، أو اتهامه بأنه يحصل على أموال من الكاتب.

اقرأ أيضاً: في مواجهة التعصب: التعاون لأجل البقاء

والمعارك نفسها بحذافيرها تمّت مع ناقد فني كشف عدم صحة خبر حصول فنان من نجوم الصف الأول على جائزة عالمية غنائية، فقامت اللجان بمهاجمته ومهاجمة منافسه بشكل غير شريف، أو تلك الحملة التي هجمت على شخص فضيلة شيخ الأزهر" الدكتور أحمد الطيب" لأنه هنّأ الإخوة المسيحيين بأعياد الميلاد، أو تلك التي هاجمت فناناً محسوباً على جماعة الإخوان، لأنه تنصل من أن يكون عضواً في جماعة الإخوان، وأكد أنه يقدّم فنّاً للجماهير المحبة له دون اعتبار للإيديولوجيا، وأبدى استعداده للغناء لمصر الوطن في المناسبات الرسمية الوطنية، فهاجموه ليل نهار، حتى أنه كتب تهنئة للإخوة المسيحيين، فردّ على تعليقه أكثر من 3 آلاف متابع، كلهم ينالون منه بشكل غير أخلاقي، وينالون من نزاهته، و"البوست" نفسه حاز على 25 ألف تعليق في أقلّ من 24  ساعة أغلبها ضده.

أيّ مراقب للحياة الاجتماعية المصرية سيكتشف بسهولة ارتفاع نسبة التعصب والتنمر وسهولة اتهام الآخر بدون دليل

أمر محزن للغاية أن تصبغ الحياة الاجتماعية الفكرية بروح صبية يملؤهم الغضب والتعصب والعنف والكراهية، وأن ينساق وراءهم الكثيرون، مؤلم ومحبط أن تتحوّل المعارك الفنية أو الأدبية إلى مستنقع سباب، بعد أن كانت معارك تنشّط الوعي وتنمّيه.

قديماً كانت المعارك الفنية أو الأدبية تتمّ وفق أخلاقيات المجتمع، لا يمكن تجاوزها إلى اتهامات شخصية، ولا تشكيك في الذمم المالية أو الأعراض والشرف، بل كانت فرصة للنقد واكتساب مهارات في قراءة الآخر المختلف معه، مع ملاحظة أنّ هذه المعارك لم يتورّط  فيها الجمهور المتابع لها فيما بينهم، بل كانوا يستمتعون بنقد المازني لشكري، أو نقد العقاد للرافعي، ولا بأس من سخونة النقد، لكنها في النهاية لم تكن تستهدف تحطيم الطرف الآخر ولا إبعاده عن الحياة الاجتماعية، وكثيراً ما انتهت مثل هذه المعارك بصلح، واعتراف كلٍّ منهما بفضل الآخر في مجاله. 

ومن أمثلة معارك أربعينيات القرن الماضي ما كان بين طه حسين والرافعي، فلم يتورط فيها محبو الرافعي ولا محبو طه حسين، بل من الطريف أنّ المعركة التي دارت بين العقاد وأحمد شوقي، والتي انخرط فيها الموسيقار محمد عبد الوهاب لا لشيء إلّا لعلاقته بأمير الشعراء أحمد شوقي؛ التي بدأت في العام 1930 عندما التقى به وأعجب بصوته، وتحمّس له وأخذ يمهد له طريق الشهرة، فقدّمه إلى الإذاعة المصرية، وكان حريصاً على أن تظهر صوره وأخباره باستمرار في المجلات الفنية والأدبية.

اقرأ أيضاً: الطريق إلى التسامح.. هكذا قصّ فولتير حكاية كشفت سوءات التعصب الديني

وخلال ذلك كانت المعركة قد نشبت بين العقاد وشوقي بعدما نشر العقاد والمازني كتابهما "الديوان"، وانتقدا فيه شعر شوقي، فانقسمت الأوساط الأدبية والصحفية إلى فريقين: فريق يدافع عن أمير الشعراء ويهاجم العقاد والمازني، والآخر يهاجم شوقي ويشيد بالعقاد والمازني. ولأنّ شوقي كان معجباً بعبد الوهاب وكثير الإشادة به، فإنّ عبد الوهاب أصبح عدوّاً في نظر خصوم شوقي، ولأنه كان يُسمّى "البلبل الصغير" كان خصوم شوقي يقولون إنه الغراب الصغير، بل إنّ المازني كان يهاجم عبد الوهاب في جلساته الخاصة قائلاً: "هذا الولد صدره ضيق، ولا يصلح أن يكون مغنياً"، كان المازني يقول ذلك وهو لم يسمع عبد الوهاب أصلاً!

قديماً كانت المعارك الفنية أو الأدبية تتمّ وفق أخلاقيات المجتمع ولا يمكن تجاوزها إلى اتهامات شخصية

إلى أن استمع إليه هو والعقاد، فأعجبا بصوته أيّما إعجاب، ووصفا صوته بأنه قوي وعذب وجميل، بل وصل الأمر إلى أن نظم العقاد قصيدة يشيد فيها به، هنا لم يمنع العقاد خلافه مع شوقي، بعد أن استمع لعبد الوهاب، من أن يقرّ لمحمد عبد الوهاب بحسن الأداء ويشيد به.

هكذا كان المجتمع المصري قبل ظهور "الألتراس" بأفكارهم التعصبية وبأهازيجهم الساخرة من الآخر، كان لدينا قدر من التسامح وقدر من الموضوعية في تناول أيّ قضية على الساحة، هذا القدر كان كافياً لحماية المجتمع من الانزلاق في هوّة التعصب والكراهية.

اقرأ أيضاً: زوّادة التعصب: هدر مشاعر أطفالنا

لا ننكر أنّ التعصب والتنمر والكراهية سلوك تعاني منه كلّ المجتمعات، لكن أن تقع فيه فئة أمر، وأن يفتخروا به وأن يبرّروه أمر آخر، أن يظهر التعصب أو إبداء الكراهية في مجتمع ما ومنظومته القيمية تراه سلوكاً مرفوضاً أمر، وأن يقوم البعض باستثماره لهدم الخصوم أمر آخر، إنّ من يقوم بهذا يشرعن للخطأ ويؤسس لمنظومة أخلاقية فاسدة، قائمة على استباحة الآخر بكل سهولة دون وازع من ضمير، إنّ شيوع روح الألتراس أمر في غاية الخطورة ويهدّد سلامة المجتمع، ويجب أن ندقّ ناقوس الخطر لعلّ المعنيين بوعي المجتمع والسلام النفسي والاجتماعي يهتمون بوضع برامج لاستعادة الهدوء، ونبذ العنف، والتخلص من التعصب والكراهية.

الصفحة الرئيسية