الاقتصاد التركي ينتظر موجة عواصف جديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.

2209
عدد القراءات

2018-06-07

عطاالله يشيل أدا

تحسن سعر صرف الليرة مؤقتا الأسبوع الماضي بعد الزيادة الكبيرة في أسعار الفائدة الرئيسية وتأكيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية محمد شيمشك إمكانية “اتخاذ مزيد من التدابير الأخرى”.

لكنها عادت للهبوط في الأيام الماضية في ظل ترجيح أن يتعرض الاقتصاد التركي مع كل أسبوع تقريبا، لرياح عاصفة جديدة من المتوقع أن تستمر حتى عام 2019.

وتسترعي الانتباه ملاحظة فونيكس كالين، أحد المسؤولين الكبار في بنك سوسيتيه جنرال، ثاني أكبر البنوك الفرنسية، التي قال فيها إن “ارتفاع قيمة العملة التركية مرهون بفوز المعارضة”.

وهذا يعني أن فوز أردوغان وحزب العدالة والتنمية سيكون إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من التخبط في السوق التركية، بسبب قناعة المستثمرين بأن حزب العدالة والتنمية لا ينوي تطبيق ما وعد به الغرب، بل سيسير في الاتجاه المضاد تماما.

وتؤكد استطلاعات الرأي أن فرص اصطدام أردوغان مع برلمان معارض عالية جدا، بسبب المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها تناقض وعود المعسكرين، وهو ما سيكبّد الميزانية ومؤسسة الضمـان الاجتماعي خسائر كبيرة.

وتقول مؤسسة “ماك” للأبحاث إن “نسب الذين لم يحسموا أمرهم بشأن التصويت سترجح إحدى الكفتين. وإذا صوت هؤلاء لصالح المعارضة فسوف تحدث مفاجآت كبيرة في انتخابات 24 يونيو.

الأوضاع الحالية في تركيا لا تنبئ بجديد بالنسبة لانتخابات الرئاسة، ومازال من المرجح أن يفوز أردوغان بفارق ضئيل. ولا توجد أي استطلاعات رأي يمكن الوثوق بها ترجح فوز محرم إينجه أو ميرال أكشينار، في وقت يتراجع فيه تأييد تحالف الشعب يوما بعد يوم.

السؤال الآن: هل سيتمكن حزب الشعوب الديمقراطي من تجاوز العتبة الانتخابية ودخول البرلمان؟ يشير استطلاع الرأي الذي نشره كمال أوزتورك في صحيفة يني شفق إلى أنه كلما اقترب موعد الانتخابات زادت نسبة المؤيدين الشباب لدميرطاش.

كما أدركت طائفة من الناخبين الأوفياء لحزب الشعب الجمهوري تكلفة بقاء حزب الشعوب الديمقراطي دون العتبة الانتخابية، ومن المتوقع أن يتحولوا للتصويت لحزب الشعوب أثناء الانتخابات.

فوز أردوغان سيطلق مرحلة جديدة من التخبط في السوق التركية بسبب قناعة المستثمرين بأنه لن يغير سياساته الاقتصادية

وعلى الجبهة الاقتصادية من المتوقع أن يتواصل تذبذب سعر الليرة حتى موعد الانتخابات وأن يسير الوضع الاقتصادي بسرعة نحو الأسوأ، وهو ما يرجح فقدان تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية لبعض الأصوات.

المشكلة أن النهج السلطوي لحكومة أردوغان يجعل المحللين الاقتصاديين لا يجرؤون على الحديث عن حقيقة الوضع الاقتصادي؛ فما نراه من تقارير وما نطالعه في وسائل الإعلام يختلف كليّا عما يتحدثون فيه بالكواليس.

ويؤكد الكثير من المحللين الذين تحدثوا إلى وكالة بلومبيرغ أنهم لا يجدون فرصة للتعبير عن انتقاداتهم للوضع الاقتصادي وأنهم يتعرضون للتهديد من قِبَل المؤسسات التي يعملون فيها عند انتقادهم لأوضاع الدولة. ووصل الأمر إلى أنهم كانوا يمتنعون عن الإدلاء بأي تصريحات حتى إذا حجبت أسماؤهم.

وخلاصة آراء المحللين أنهم يستبعدون اندمال جراح الليرة التركية لأن الأسواق لا يمكن أن تستقر دون وجود حكومة صادقة تحظى قراراتها بثقة المستثمرين. وتشير توقعاتهم إلى حدوث صدمات جديدة لليرة بداية الشهر المقبل مصدرها الولايات المتحدة والبنك المركزي التركي.

لا يبدو أن هناك مفرا من حدوث قفزات جديدة في نسبة الفائدة على القروض وسوف ينفر الزبائن من إيداع أموالهم بالليرة في ظل ارتفاع التضخم يوما بعد يوم.

ستواصل تركيا الابتعاد عن المعسكر الغربي والتقارب مع المحور الروسي الإيراني، وهو ما يزعج واشنطن لأنه يفسد خططها في المنطقة. وقد بدأت بالفعل في إشهار العصا في وجه تركيا بفرض عقوبات الأسبوع الماضي.

إذا لم تتراجع تركيا عن سلوكها وتوقف استهداف حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في سوريا فستلجأ واشنطن لإشهار عصا العقوبات الاقتصادية بوجهها بشكل أكثر وضوحا.

أعتقد أن مصدر المشكلة لم يكن بسبب تباطؤ خطوات البنك المركزي بقدر ما كان إصرار حزب العدالة والتنمية على رسالة مفادها “لتنتهِي من الانتخابات وسنريكم ما سنفعله”.

وتفاقمت المشكلة بسبب إصرار أقطاب حزب العدالة على الحديث عن وجود مؤامرة خارجية، وهو أمر يزيد القناعة بأن الحزب سيستمر على نفس النهج في تطبيق التجارب الراديكالية في الاقتصاد.

يمكن الاستدلال على انهيار ثقة المستثمرين بالاقتصاد التركي بالنظر إلى حالة الهروب الجماعي للأموال الساخنة التي دخلت إلى جهاز الدولة بداية العام.

من الواضـح أن أسعار الصـرف لن تستقر حتى إجراء الانتخابات، بسبب غموض نوايا حزب العدالة والتنمية، فإذا فاز أردوغـان وتحالف حزبه مع حزب الحـركة القومية، فلن نتمكن من العثور على أدلة كافية؛ نستدل من خلالها على ما سيحدثه من تغييرات في سياسته الاقتصادية.

ينبغي الإشارة إلى أن البنوك العامة هي فقط من يقدم القروض. أما البنوك الخاصة فقد انسحبت من السوق، أما المستهلك الذي يمثل قاطرة الاقتصاد، فقد توقفت قروضه الاستهلاكية.

في هذه الأثناء تواصل ثقة المستهلك ومؤشرات الصناعة التحويلية الموسمية في التدهور بعد تباطؤ النمو الاقتصادي خلال الفصول الثلاثة الماضية. وهو ما يرجح استمرار هذا الاتجاه في الفترة المقبلة.

رغم إصرار الحكومة على تسهيل القروض إلا أن ذلك لن يمنع تقلص الطلب على الوحدات السكنية والسيارات والسلع المعمرة وسوف تنخفض القدرة الشرائية بسرعة خلال الأشهر المقبلة.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: