الإنجاب هو الحل..ما رأي الإسلاميين؟

الإنجاب هو الحل..ما رأي الإسلاميين؟

مشاهدة

25/07/2018

"إنّ تلك الحملة الدعائية لتحديد النسل هي جزء من خطة تقليص أعداد المسلمين".

وردت هذه العبارة وغيرها، في كتاب "الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية"، الذي تمت من خلاله صياغة فقه المرأة من منظور جماعة الإخوان المسلمين.

الكتاب صدر عن دار الدعوة في مصر، التي تأسست العام 1978، على يد، الرئيس الأسبق للمكتب الإداري للإخوان المسلمين بالإسكندرية محمود شكري. 

وتعود الطبعة الأولى للكتاب، إلى العام 1979، بحسب رقم الإيداع المدرج على غلافه، إلا أنّ الكتاب وجد في طبعات لاحقة، أشهرها الطبعة الثانية لعام 1993، وهي الطبعة المعدَّلة التي أمّنتها لنا الأخوات المسلمات في مصر، والتي كانت توزَّع علينا داخل مساجد الأوقاف.

كتاب "الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية"؛ من تأليف محمد عبد الحكيم خيال، ومحمود محمد الجوهري قيادي. و"خيال"؛ مؤرخ لتاريخ جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث ُيعدّ كتابه "منبر الجمعة لحسن البنا" من أهم أعماله. أما "الجوهري"؛ فهو من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، وكان سكرتيراً لفرقة الأخوات المسلمات في مصر، وهي المهمة التي أوكلها إليه مؤسس الجماعة حسن البنا.

المسلمات ينجبن جنود الأمة الإسلامية

طرح كتاب "الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية"، منظور الجماعة لدور المرأة في إطار خطة منهجية لتطويع النساء سياسيّاً، وظهر هذا جليّاً في مقدمة الكتاب، التي جاء فيها العبارة الآتية:

"إلى الرعيل الأول من الأخوات المسلمات، أول من حملن عبء التحول الاجتماعي الإسلامي".

وجزء من التحول الاجتماعي الإسلامي، بحسب الكتاب، كان مناهضة أية حملات دعائية لتنظيم أو تحديد النسل، فنال الكتاب من حملات الرسوم المتحركة التي نفذتها الحكومة المصرية في ثمانينيات القرن الماضي للتوعية ضدّ الإنجاب، دون ضابط أو رابط، ومن بينها: إعلان "انظر حولك" الذي تبنّى شعار "العائلات الصغيرة عائلات سعيدة".

اقرأ أيضاً: المرأة كما تصوّرها حسن البنا: مكانها المنزل ووظيفتها الإنجاب

ربط الكتاب في أطروحته بين دعوات تحديد النسل، ودعوات مناهضة تعدّد الزوجات، ودعوات خروج المرأة للعمل في بلاد الأغلبية الإسلامية، وأدرجها تحت لواء الخطة الخبيثة لفناء المسلمين، وتطرق الكتاب إلى المؤامرة الكونية ضدّ المرأة المسلمة، تلك المؤامرة التي تدعوها للعمل وتنظيم الإنجاب، فلا يجوز للمسلم أن ينظم النسل (بحسب ما ورد في الكتاب)؛ لأنّ هذا أمر يتنافى مع مقاصد الشريعة، التي من غاياتها (تكثير النسل) لمواجهة الأعداء من غير المسلمين، ولذلك لا بدّ من حثّ المسلمات على إنجاب جنود الله، فهذه مهمة المرأة الأساسية. 

اقرأ أيضاً: لماذا ننجب؟

ويستشهد الكتاب في هذا السياق بأحاديث نبوية، منها: "سوداء ولود خير من حسناء عقيم" رواه الشيخان (الإمام البخاري، والإمام مسلم)، وحديث "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن.

دعوات حرمة تحديد النسل

لكنّ دعوات حرمانية تنظيم النسل لم تكن حكراً على جماعة الإخوان، ولم تكن حكراً على بلد واحد، فهذه الفتاوى عبرت الحدود الجغرافية للبلاد الإسلامية في العصر الحديث والمعاصر، وهو أمر منطقي؛ لأنّ الفتاوى استندت إلى تأويلات فقهية.

تصدّى كبار الأئمة لدعوات تنظيم النسل، وكان من بين تلك الأقلام: قلم أبو الأعلى المودودي (1903-1979)، المولود في حيدر أباد بالهند، ومؤسس الجماعة الإسلامية في لاهور (باكستان)؛ حيث عدّ المودوي، في كتابه "حركة تحديد النسل"، الصادر العام 1965، وسائل منع الحمل من المحرضات على الزنا؛ لأنّ الرجل والمرأة اللذين يعرفان طريق تلك الموانع، لن يخافا من افتضاح أمرهما، ولن يخافا السقوط في المذلة والعار؛ لأنهما سيتحصنان من الحمل السفاح.

اقرأ أيضاً: من أين تستقي المرأة مصادرها الدينية؟

فارتكزت فلسفة المودودي على الربط بين مواكبة متطلبات العصر والانحلال الأخلاقي، فيصبح الاكتشاف الطبي مجرّد وسيلة للفحشاء، وهذا يقودنا إلى سؤال مهمّ: ما المقصود بالفاحشة؟ ألا يعدّ إنجاب أطفال في أسر فقيرة لا تقوى على رعاية وتعليم أبنائها من الفواحش؟

اعتمد المودودي وغيره كذلك على نظرية دعم الاقتصاد في البلاد الإسلامية بمزيد من المواليد؛ لأّنهم سيصبحون عمالة منتجة يوماً ما، لكنّهم تناسوا أنّ العمالة المنتجة الجيدة تحتاج إلى إعداد جيد وتربية سليمة، وهو ما يتأتى بالتعليم والصحة، لا بتشغيل الأطفال في سنّ مبكّرة، وتحميلهم مسؤولية النفقات المنزلية منذ نعومة أظافرهم، وإلّا تتحول هذه العمالة إلى مجرد عمالة عليلة.

تلاقى فكر المودودي مع فكر جماعة الإخوان المسلمين، حين عدّ (بحسب تعبيره) تحديد النسل انتحاراً قومياً للأمة الإسلامية التي تحتاج إلى زيادة عددية لمواجهة غير المسلمين، وهنا قد نتوقف عند هذه الفلسفة ونسرد نقطتين.

اقرأ أيضاً: هل المرأة أكثر استجابة للخطاب الديني من الرجل؟

أولهما: أنّ التاريخ الإسلامي لا يخلو من اعتداء أو اقتتال بين المسلمين في عصور مختلفة، منذ عهد الصحابة، مروراً بالخلافات الإسلامية المتعاقبة، حتى الدولة العثمانية، كما أنّ بلاد المسلمين نفسها تتعرض لعمليات إرهابية يدّعي منفذوها أنهم يحاربون جاهلية المجتمع تحت راية الإسلام، كما حدث مع تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وعلى هذا الأساس؛ لم تنحصر المواجهات بين المسلمين وغير المسلمين.

ثانيهما: أنّ مبدأ الكثرة العددية كذريعة للانتصار، يخالف (بحسب المنظور الديني)، ما يتذرع به أئمة الفقهاء، بحسب الآية رقم (249)، من سورة البقرة: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ}، هذا إن حاججنا المودودي وجماعة الإخوان المسلمين بالأدوات نفسها التي يستخدمونها.

فتاوى العزل.. هل تكفي لتنظيم الأسرة؟

الإنجاب هو جزء من دورة الحياة، لكنّ بعض البلاد ذات الأغلبية الإسلامية شهدت طفرات في الازدياد السكاني تفوق الإنتاج المُتاح، وعليه شرعت كثير من هذه البلاد في التوعية ضدّ التكاثر غير المحسوب، وهنا وجدت هذه البلاد نفسها في مواجهة، ليس فقط مع المتشددين؛ بل وجدت نفسها في مواجهة مع ثقافة عامة تعتقد أنّ الأطفال يولدون بأرزاقهم.

الإنجاب جزء من دورة الحياة لكنّ بعض البلاد ذات الأغلبية الإسلامية شهدت ازدياداً سكانياً يفوق الإنتاج المُتاح

ولتواجه الحكومات المتشددين لجأت إلى الإفتاء الحكومي ومشايخه، على اعتبار أنّ دور الإفتاء ما هي إلا مؤسسات حكومية دينية، وعادة تلجأ هذه المؤسسات الدينية إلى نوعين من الفتاوى:

أولهما: فتاوى مباركة تنظيم النسل، وتحريم تحديد النسل، فتحاول هذه الفتاوى الخروج من المأزق الفقهي، لتعد أنّ تحديد النسل حرام؛ لأن كثرة النسل مطلوبة في الإسلام؛ لتكثير عدد الأمة، وأما تنظيمه؛ بمعنى تأخير الحمل لغرض شرعي؛ كضعف المرأة بالحمل، أو الحاجة لإرضاع الطفل الموجود، أو التباعد بين حمل وآخر لظروف شخصية؛ فهو جائز، لكن دون إجبار قانوني على الالتزام بعدد معين من الأطفال كحدّ أقصى.

ثانيهما: فتاوى العزل، وتعدّ هذه الفتاوى مخرجاً يستخدمه بعض الفقهاء للردّ على فتاوى التكاثر، عملاً بالحديث النبوي: (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة) .

العزل: هو وقف الجِماع قبل نهايته، أو إنزال المني خارج الفرج، منعاً للحمل، لجأ إلى فتاوى العزل العديد من المشايخ، ربما آخرهم هو وزير الأوقاف المصري مختار جمعة، الذي قال إنّ النبي، عليه السلام، أباح لأصحابه العزل.

والعزل موجود قبل الإسلام، على اعتبار أنّه من أقدم الوسائل الطبيعية للتقليل من فرص الحمل، فقد استُخدم لتقليل التكاثر البشري لدى اليهود، كما ورد في سفر التكوين، ولم يكن غريباً على العرب في شبه الجزيرة العربية كذلك.

فتاوى العزل في الإسلام محكومة بسياق تاريخي بعينه يستحضره المناهضون لتنظيم النسل دائماً

لكنّ فتاوى العزل في الإسلام محكومة بسياق تاريخي بعينه، يستحضره المناهضون لتنظيم النسل دائماً، ومن بينها: أنّ العزل لا يتم إلا باستئذان الحرة (الزوجة)، ولا يتطلب استئذان الأمة (الجارية)، كما ورد في سنن ابن ماجه، في باب النكاح (حديث رقم 1928).

وتأكيداً على أنّ السياق التاريخي كان مختلفاً، خاصة أنّ أصحاب النبي، عليه السلام، كانوا يسألونه عن حكم العزل في خضم الغزوات، وسبي كرائم العرب، وذلك خشية، أو لعدم رغبتهم، في حمل السبايا في غزوة بني المصطلق، كما ورد في صحيح البخاري، باب النكاح، حديث رقم 5210. وصحيح مسلم، باب النكاح، حديث رقم 1438. وسنن ابن ماجه، باب النكاح، حديث رقم 1926.

كما يستند المناهضون لتنظيم النسل إلى مصادر من السنّة، تفيد بأنّ العزل قد لا يمنع الحمل، لقول الرسول، صلّى الله عليه وسلّم: "ذلك لا يمنع شيئاً أراده الله"، رداً على رجل كان يعزل حتى لا تحمل جاريته، كما ورد في صحيح مسلم، باب النكاح، حديث رقم 1439.

هنا، تجد خطة تنظيم النسل التي تعتمد على فتاوى العزل وحدها إشكاليات كبيرة، وهكذا تفرَغ القضية من مضمونها الاجتماعي، وتحدياتها الحقيقة على أرض الواقع، فمواجهة غلوّ الفتاوى لا يتأتى بالاشتباك في حرب الفتاوى فقط، إنما يتحقق بالاهتمام بالبعد التنموي الاقتصادي، الذي لا يقل أهمية عن الدينيّ، وهنا تعددت الأطروحات الممكنة، ومن بينها أطروحات تهدف للتقليل من بطالة السيدات، ودعمهن بمشروعات تنموية؛ فالمرأة العاملة تكون أكثر حرصاً على تنظيم الإنجاب.

الصفحة الرئيسية