الإسلام في فرنسا بين مرجعية الهُويّة والهوس الديني

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري

1424
عدد القراءات

2018-05-21

ترجمة وإعداد:

الإسلام، من حيث عدد أتباعه، هو الدين الثاني في فرنسا، ومع ذلك ما تزال الثقافات الإسلامية الفرنسية المختلفة غير معروفة.

أكل الحلال، وشرب مكة كولا، وارتداء اللباس الإسلامي الكلاسيكي، إنّنا نشهد صعود عصر "البيزنس العرقي" الذي يسائل في معنى التوسع الحالي للإسلام في المجتمع الفرنسي: هل هو مرجعية هُوية، أو هوس ديني حقيقي؟

عاشت الأجيال الأولى من المهاجرين المسلمين في فرنسا إسلامها بطريقة جماعية وغير مرئية

وفق نتائج استطلاع المعهد الفرنسي للرأي العام "Ifop"، المنشور عام 2009؛ يبدو أنّ بُعد الهُوية هو السائد، يتجسّد التوسّع الديني في الزيادة فيما يسمَّى "الممارسات الجماعية": صلاة الجماعة في المسجد، صيام رمضان، وارتداء الحجاب، وقد تضاعف معدل الحضور في أماكن العبادة لأداء صلاة الجمعة، في خمسة عشر عاماً 12٪ في عام 1994، مقابل 23٪ في عام 2007، وهذه النسبة في ارتفاع، وكبار السنّ هم الأكثر اهتماماً وإقبالاً 41٪ ممن هم أكثر من 55 عاماً، مقابل 23% للذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، وبصفته ممارسة "اجتماعية" بامتياز، فإنّ رمضان هو الممارسة الأكثر فأكثر استقطاباً إذ إنّ 70٪ من الذين تم استجوابهم، ما بين 2001 و 2009، يزعمون أنّهم يصومون (كانت النسبة 60٪ في 1994)، وهذه النسبة هي نفسها تقريباً عند الشباب والكبار.

ومع ذلك؛ فإنّ ممارسة الصلاة الفردية مستقرة منذ 1990، لكنّها تُقسّم الأجيال بحدّة، 28٪ من الشباب يقولون إنهم يُصلّون يومياً، مقابل 64٪ ممن تجاوزوا الـ 55 عاماً.

مواطنون عاديون

تتباعد وتختلف الممارسات الدينية إلى حدّ كبير حول انقسامات الأجيال؛ لقد عاشت الأجيال الأولى من المهاجرين المسلمين في فرنسا إسلامَها بطريقة جماعية وغير مرئية؛ حيث لم تكن تطمح إلّا إلى العودة إلى ديارها، وتجنّب، إنْ أمكن، الآثار المُعدية للمجتمع المُضيف، وكان لهذا التحفظ دلالته على صعيد المشاركة السياسية والمدنية.

انتماء مزدوج

مع ظهور أجيال من المسلمين المولودين والمندمجين اجتماعياً في فرنسا تغيرت الأمور، واليوم، من دون تابوهات، لكن في الغالب دون ضجيج، يعلن الآلاف من المواطنين العاديين انتماءهم المزدوج "المواطن والمسلم"، ويجعلون هُويّتهم الدينية مرئيةً في الفضاء العام: ارتداء الحجاب، صوم رمضان، الصلاة..إلخ، هؤلاء المواطنون موجودون في جميع الفئات الاجتماعية والقطاعات المهنية، بما في ذلك الخدمة العامة.

المرأة المسلمة عملت واندمجت مع المجتمع العالمي وتقاسمت المسؤوليات

الإسلام وأزمة الهُويّة الفرنسية

على سبيل المثال: المسلمون الفرنسيون الشباب، خاصة سكان المدن، يتزايد عددهم في الجيش: سواء مع، أو دون، شهادة يقدّم لهم الجيش الاستقرار المهني، والوضع الاجتماعي، ورخصة القيادة! لكن الطابع ذا الأكثرية في هذا التوفيق المتناغم بين الفرنسيين والإسلام، لا يمنع استمرار التحيزات والصور الكاريكاتورية للنساء المحجبات، والرجال المُلتحين المتعصّبين، من الاستمرار في المشهد الوطني، ناهيك عن شبح تهديد الجمهورية والديمقراطية الذي لا يتردّد السياسيون الذين يعانون من أزمة الشرعية، في إثارته على فترات منتظمة، سيما من خلال مختلف مشكلات الحجاب، وتلك ممارساتٌ سياسية يربطها عالم الاجتماع أوليفييه روي، بأنّه "من خلال الإسلام، تعيش فرنسا أزمة هُويتها".

الإسلام وسياسة السلطات العامة

بعد "إسناد" إدارة الإسلام في فرنسا إلى دول أجنبية (المغاربة)، بدأت عملية إضفاء الطابع المؤسَّسي على هذا الدين، عام 1989، تحت قيادة بيير جوكس، وزير الداخلية لتلك الفترة، سياقُ صعود الحركة الإسلامية في المنطقة المغاربية (انتصار جبهة الإنقاذ في الجزائر)، وتفاقُم ظهور نموّ الإسلام في المشهد الوطني، هما اللذان حفّزا هذه الرغبة في تنظيم الإسلام، وصارت الأهداف، إذاً، إبراز إسلام فرنسي معتدل، ومحاربة وضع التمييز الفعلي للإسلام (سوء ظروف العبادة، وعدم وجود تمثيل مؤسسي، وما إلى ذلك).

عام 2003 فقط؛ عندما كان نيكولا ساركوزي وزيراً للداخلية، ولِد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية

المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية

عام 2003 فقط؛ عندما كان نيكولا ساركوزي وزيراً للداخلية، ولِد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، على المستوى الوطني (CFCM)، والإقليمي (CRCM)، تتكفل هذه المؤسسة بجميع الأمور المتعلقة بإدارة العبادة: (تدريب الأئمة، الإرشاد، بناء أماكن العبادة، التجارة الحلال، الساحات الإسلامية في المقابر)، لكنّ الإسلام في فرنسا ما يزال يعاني من أجل الظهور، ويظلّ حكراً لكلٍّ من السياسيين والقنصليات المغاربية؛ ففي عامي 2003 و2005، ورغم النتائج الضعيفة، تمّ اختيار مسجد باريس على رأس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، من قبل وزير الداخلية نفسه. وهناك مثال آخر: في مونبيلييه، يقع المسجدان الكبيران في المدينة تحت قانون قاعات البلدية متعددة الأغراض، وهو ما يسمح لعُمدة المدينة بتعيين (ورفض) القادة المسلمين الذين يختارهم هو بإرادته، وهذه الممارسات المنافية للعلمانية، إلى حدّ كبير، تفسّرها الرهانات المتعلقة بالسيطرة على ديانة توصف بانتظام بأنها تهديد للدولة.

يعلن الآلاف من المواطنين العاديين انتماءهم المزدوج؛ المواطن والمسلم، ويجعلون هُويّتهم الدينية مرئية في الفضاء العام

لقد سجلت السلطات العامة قلّة أماكن للعبادة (2000 في فرنسا لـ 5 ملايين مسلم، مقابل 2500 في ألمانيا لـ 3.5 مليون من المؤمنين)، وافتقارها للتمثيل، وبعد أعوام من التردّد، قام المسؤولون المنتخَبون المحليون بتطوير سياسات استباقية في مجال بناء المساجد؛ حيث طرحوا مشروع بناء ما لا يقل عن 150 من المساجد الكبيرة والمتوسطة، وقد تم تصميم هذه المراكز كمراكز ثقافية وترفيهية (مكتبات، وقاعات شاي، ...إلخ)، وتم تمويلها جزئياً من قبل البلديات (فيما يتعلق بالجوانب الثقافية)، ويساعد هذا التمويل في الحفاظ على بعض السيطرة على هذه الأماكن، وموظفي الإدارة. أمّا التحدي الذي يواجه المسؤولين المنتخبين اليوم، هو تزويد المساجد بالكوادر الدينية؛ كممثلين لتطورات الإسلام في فرنسا، والمهيَّئين لاستقطاب اهتمام الشباب الأصغر سناً، لكن أيضاً لإرضاء الناخبين المحتملين الذين قد يملكون حسّ الاحترام لدينهم.

التيارات الرئيسة

من المتعذر تحديد تعدد تيارات الإسلام في فرنسا، ومع ذلك، دعونا نحاول تقديم لمحة عامة عن أولئك الذين يغذّون النقاش العام أكثر من غيرهم.

الإسلام القنصلي

اندرج "الإسلام القنصلي" تقليدياً في المشهد القومي الفرنسي مع الأجيال الأولى من المهاجرين الجزائريين والمغاربة والأتراك، ويتصل بالتدين الذي نشأ بحكم العلاقة القوية ببلد المنشأ، والذي سمح في كثير من الأحيان بتمويله، وضمان السيطرة على أعضائه، إنّ الإسلام "الجزائري"، الذي يمثله مسجد باريس المرتبط بالقيم العلمانية، لطالما تم اختياره من قبل السلطات العامة الفرنسية على رأس الإسلام في فرنسا، رغم ضعفه في المجال الترابطي الاجتماعي.

أمّا الإسلام "المغربي"؛ فهو السائد بين المسلمين المُمارسين (أكثر من 40٪ من الأئمة ومعظم مدراء أماكن العبادة هم مغاربة)، وهو الواقع الذي جعله على رأس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، منذ عام 2008، لإضفاء الطابع المؤسسي لوجود هذا الدين في المشهد الوطني. إلا أنّ إسلام القنصليات هذا، رغم تواجده بأغلبية في إدارة المساجد والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية "CFCM"، ما يزال قليل الترسخ في التطورات الاجتماعية للإسلام في فرنسا.

مسجد باريس الكبير

إسلام الإخوان المسلمين

لقد حاولت إسلاموية الإخوان المسلمين أن تملأ العجز في التمثيل القنصلي للإسلام منذ الثمانينيات، هذه الحركة المنبثقة بشكل أساسي عن هجرة الإسلاميين التونسيين والسوريين والمصريين، تتجسد الآن في اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (UOIF)، القويِّ هيكلياً، وفي مجموعات قريبة من عالم الإسلام السويسري طارق رمضان، هذا الاتحاد النشط جداً في المجال الاجتماعي، والذي أنشِئ في فرنسا منذ عام 1983، يضمّ أكثر من 200 جمعية، و60 مسجداً، لكنّ مواقف ولائِه السياسي ودخوله إلى المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية ""CFCM، أدى إلى عزوف أعضائه من الشباب الأكثر مُطالبية (أي الأكثر احتجاجاً)، هؤلاء تحالفوا أحياناً مع طارق رمضان، مثل تجّمع مسلمي فرنسا (CMF)، الذي تم إنشاؤه في عام 1993، تجمّع مسلمي فرنسا هذا، الضعيف مؤسّساتياً، يقدّم زعماء منخرطين اجتماعياً في فرنسا، يسعون إلى إضفاء شرعيتهم، بتنديدهم السياسي للقانون الذي يُصنّف الإسلام والمهاجرين في فرنسا في الدريجة الثانية، وإذا كان طارق رمضان يظلّ مرجعاً للشباب المسلم، فقد كبر في السن (تجاوز الخمسين من العمر)، كما هو حال تجمع مسلمي فرنسا "CMF"؛ الذي يعاني في إيجاد بدائل لنضاله السياسي-الديني، بين شباب اليوم. فإلى هذا الفضاء الشاغر، الناتج عن فشل الإسلام السياسي، يتسلل الأصوليون في التبليغ وفي السلفية.

السلفيون الشيوخ يسيطرون على حوالي 30 مكان عبادة من أصل 2000 في فرنسا

التبليغ

التبليغ حركة طائفية، غير سياسية، لاعنفية وذات تقاليد صوفية، وقد حقّقت نجاحاً كبيراً في فرنسا منذ السبعينيات، لدى الشاب من مُغنّي الراب أو الرياضيين ذوي المستوى العالي، هؤلاء متمسّكون بممارسات دينية محافظة قوية للغاية، وبطقوس تكرارية، وتهميشية واستلابية يمكن أن تتسبّب في حدوث حالات قوية وعميقة من الاكتئابات النفسية الشديدة، لكنّ "تقشفهم المتناقض للغاية مع القيم الاستهلاكية التي تسيطر على الأحياء" تجعلهم أكثر تعرضاً للمنافسة من قبل الشيوخ السلفيين.

السلفيون الشيوخ

السلفيون الشيوخ يسيطرون على حوالي 30 مكان عبادة من أصل 2000 في فرنسا؛ أي ما يمثل 5000 إلى 10000 تابع، وهو رقم في ارتفاع، وفق المتخصصين، وخلافاً للجِهاديين السلفيين، المقرّبين أيديولوجياً من تنظيم القاعدة، ورغم أقليتهم فإنّ الشيوخ السلفيين يدافعون عن رؤية إسلامية غير سياسية وغير عنيفة. وبمتوسط ​​عمر 25 عاماً، يشكلون أقلية نشطة ومتشددة، سيما في الأحياء الصعبة، ضالة السلفي الأعلى هي أن يضبط حياته على فتاوى العلماء السعوديين، وأن يقوم بالهجرة؛ أي الإقامة في الأراضي المقدسة السعودية، بعيداً عن الكفار.

خلافاً للجِهاديين السلفيين المقرّبين أيديولوجياً من "القاعدة" فإنّ الشيوخ السلفيين يدافعون عن رؤية إسلامية غير سياسية وغير عنيفة

تقع السلفية في الوقت نفسه، في قلب العولمة مع استخدامها للإنترنت، واتصالاتها مع علماء الدين السعوديين (فتاوى عن طريق الهاتف وغيره من الوسائل، والتهديد الحقيقي الذي تطرحه السلفية لا يكمن في تعميم السلفية، أو في ممارسة العنف، بل في الرغبة في القطيعة مع المجتمع العالمي). ولكنْ، بعد بضع سنوات من التطور في فرنسا، وميلاد برجوازية سلفية تقية، ظهر تيارٌ أكثر واقعية، وعلى استعداد لتقديم تنازلات للمجتمع المضيف.

التبليغ حركة طائفية حقّقت نجاحاً كبيراً في فرنسا منذ السبعينيات

مسلمة وأوروبية

عام 2008، على سبيل المثال، نشرت عالمة الاجتماع سارة سيلفستري دراسةً حول حوالي خمسين مقابلة مع نساء مسلمات أوروبيات (تتراوح أعمارهن في الغالب بين 20 و40 عاماً، ويعشن في المناطق الحضرية)، وفيها شهدن جميعهنّ على تديّن قائم على أساس الاختيار الحرّ والفردي. الإسلام يظهر في هذه المقابلات على أنّه "مصدر أخلاق شخصية يكون الفرد فيه حراً في ممارسته"، فهذا الجيل الشاب يرفض النهج العرقي والعرفي للإيمان، الذي يعدّ أمراً تمييزياً للغاية بالنسبة إلى المرأة، والممارسات البطريركية القديمة التي ما تزال تؤثر في التحرر الداخلي للكثير من النساء المسلمات في أوروبا، كما قرّرت بعض النساء في بعض الأحيان عزل أنفسهن عن نمط الحياة الغربية، وتبني نمط مخالف كالذي تمارسه مئات السلفيات في فرنسا، ممن يرتدين النقاب (الحجاب الكامل).

لكن بين جيل الشباب، هناك الكثير من النساء اللواتي يبرزن كأفراد مستقلين وثابتي العزم، وهي استقلالية مكتسبة بطريقة غير مسبوقة: التعليم المدرسي المتزايد باستمرار، إلى جانب الوصول المستقل إلى المعرفة الدينية؛ فسواء كانت ترتدي الحجاب أم لا، فإنّ المرأة المسلمة اليوم تعمل، وتندمج في انسجام مع المجتمع العالمي، وتفضل الزواج القائم على الألفة والارتباط القائم على تقاسم المسؤوليات والمهام المنزلية، أو حتى حقّ امتلاكها الجسدي، وهي ممارسات تميّزها كثيراً عن النساء الأكبر سناً، وقليلاً عن مواطنيهن من العمر نفسه.

عن scienceshumaines

اقرأ المزيد...

الوسوم: