الإخوان المسلمون وفلسطين.. معارك وهمية باسم القضية!

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية

2150
عدد القراءات

2017-12-10

فجّر إعلان الرئيس الأمريكي ترامب قرارَ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشريف، والاعتراف بها عاصمة أبدية لدولة الكيان الصهيوني، التي عدّها أفضل الديمقراطيات الموجودة في المنطقة، فجّر السؤال المتجدد حول الدور الذي لعبته المجموعات الإسلامية الحركية، إخواناً وسلفيين وجهاديين، تجاه نصرة القضية المركزية للعرب والمسلمين.
درجت دعاية جماعة الإخوان المسلمين، أكبر تلك المجموعات الحركية، على تعليق جريمة ضياع فلسطين في رقبة التيارات القومية واليسارية، التي كانت قوام الأنظمة السياسية المختلفة، التي زامنت مراحل تطور القضية؛ حيث حرصت تلك المنابر والأصوات على تقديم الإسلاميين باعتبارهم الأكثر حرصاً على القضية، والأكثر بذلاً للدماء والأموال في سبيل نصرتها، ويبدو أنّ هذه الفكرة انطلت على الكثيرين، إلى حدّ ترسيخ صورة سلبية للأنظمة المختلفة، والتيارات القومية واليسارية، بأنّها باعت فلسطين بالتخاذل والتهاون في الكفاح من أجل استخلاص الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

لم نشهد عمليةً واحدةً في مواجهة إسرائيل لجماعات تتسمَّى بـ"أنصار بيت المقدس"، أو "جند الأقصى"، أو غيرها من المسمَّيات

التفتيش في التاريخ، القريب والبعيد، قد يضعنا أمام حقائق أخرى، ترسم لنا الصورة الأقرب للواقع، التي تحرّر حقيقة موقف تلك المجموعات من القضية.
أمّا الإخوان، فيتحدثون في أدبياتهم عن أنّهم أوّل من انتبه لما يواجهه الشعب الفلسطيني من مؤامرة، وأنّ هذا هو ما دفعهم إلى تأسيس فرعٍ للجماعة عام 1943، مع نشأة جمعية "الهداية" في ذلك العام، وكان لانضمام الطلبة الفلسطينيين في مصر إلى الجماعة، أثر كبير في نشر أفكارهم، بعد عودتهم إلى فلسطين.
لم يتجاوز دعم الإخوان، قبل هذا العام، الدعم السياسي والإعلامي، عبر المقالات والبيانات والمؤتمرات، شأنهم شأن كلّ القوى الوطنية المصرية التي كانت تنظم المظاهرات والمسيرات والمؤتمرات، دعماً للشعب الفلسطيني، وانفعالاً بثورته المباركة، وجهاده المستمرّ.

تكفّل سلوك حماس في تعميق الخلاف بين الفرقاء الفلسطينيين، وهو ما ساعد "إسرائيل" في التنصّل من التزاماتها

تدّعي الجماعة بأنّها أنشأت النظام الخاص، الميليشيا العسكرية، عام 1940، كي يكون الذراع المسلح في مواجهة الإنجليز والصهاينة، والثابت تاريخياً؛ أنّ الجماعة لم تشكّل أي خطر على الإنجليز في مصر؛ حيث تسامح الإنجليز مع تمدد الجماعة في مصر، لثقتهم في جدوى مشروعهم الهادف إلى تقسيم الأمة على أساس المعتقد الديني، والاحتفاظ بالجماعة لتكون شوكة في خاصرة الدولة الوطنية، أمّا عن الجهاد ضدّ الصهاينة؛ فالمعلوم أنّ النظام الخاص جاهد لحرق ممتلكات اليهود في مصر، من أجل دفعهم إلى الهجرة، خدمةً لجهود الوكالة اليهودية في تهجير اليهود إلى فلسطين.
في المقابل؛ تبنّت مصر الرسمية، عام 1945، خلال اجتماع اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام للجامعة العربية، مع تأسيسها أول قرارٍ عربي يؤيد استقلال فلسطين، كما استضافت أول مؤتمر عربي، في أيار (مايو) عام 1946؛ حيث أكّد المؤتمر أنّ قضية فلسطين هي قضية العرب والمسلمين، وكانت مصر على رأس الجيوش السبعة التي ذهبت للقتال في فلسطين، واستمرت حروبها، بالتعاون مع أشقائها، ضدّ الكيان الصهيوني الغاصب، ودعمت مصر تعيين منظمة التحرير الفلسطيني ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، فمصر لم تتنكّر أبداً لالتزاماتها القومية، سواء في العهد الملكي، أو الجمهوريات المختلفة.

شكّل تأسيس الجماعة في مصر ضربةً للوحدة الوطنية في مواجهة الاحتلال

ظلّت حركة التحرير الفلسطيني تحمل لواء الدفاع عن القضية، ممثلاً لآمال الشعب الفلسطيني، ورايةً موحَّدةً مدعومةً من الشعوب والأنظمة، على حدٍّ سواء، ذلك قبل أن تظهر للعلن حركة حماس، التي تحدّثت عن استعادة فلسطين، من النهر إلى البحر، عبر الكفاح المسلح، آخذةً على حركة فتح انخراطها في المفاوضات العبثية التي أفضت إلى تأسيس سلطةٍ، انقلبت عليها حماس، في غزة، مطلقةً الصّراع بين الأشقاء، الذي استمرّ ولم يتوقف، ما أضعف الجانب الفلسطيني، وجعل الهدف إعادة توحيد الشعب وفصائله، بدل التنسيق المشترك، وتكامل الأدوار بين البندقية وطاولة التفاوض، سعياً إلى التحرير.
وقد سبق انطلاق حماس، عام 1987، عشرة أعوامٍ من الإعداد لإعلانها، فيما يشبه الإعداد لتأسيس جماعة الإخوان في مصر؛ حيث شكّل تأسيس الجماعة في مصر ضربةً للوحدة الوطنية في مواجهة الاحتلال، تجسّدت في ثورةٍ اتّحد فيها الهلال مع الصليب، قبل أن تبدأ خطة الإخوان في امتصاص حيوية الشعب عبر عنوان الخلافة الوهمية، وهو ما كررته حماس، عندما تحدثت، في بيان تأسيسها، عن كونها فرعٌ لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، وقد انخرطت في العمل للمشروع الإخواني ذاته.

عرفت الساحة الغزاوية ظهور أسماء متعددة لكيانات سلفية جهادية؛ فهل أطلقت أيّاً منها رصاصةً على العدو الصهيوني؟!

تكفّل سلوك حماس في تعميق الخلاف بين الفرقاء الفلسطينيين، وهو ما ساعد "إسرائيل" في التنصّل من التزاماتها، والشروع في تغيير الأمر الواقع، بالتوسّع في بناء المستوطنات، وتهويد القدس، كما استطاعت، على خلفية التحول في معادلات الإقليم والعالم، تحقيق اختراقاتٍ على المستوى الدولي؛ كنجاحها في الوصول إلى رئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة، وتطوير العلاقات مع روسيا إستراتيجياً، واختراقها إفريقيا وآسيا الوسطى، فضلاً عن نجاح ترامب، الذي نفّذ تعهّده بإعلان نقل السفارة، ما يعدّ عنواناً لواقعٍ عربيٍّ مخزٍ.
لم تخضع حماس لجهود الوساطة، إلّا بعد سقوط الإخوان في مصر، وخسارتهم الرهان على النظام الإخواني، بعد عشرة أعوام، كانت كافية ليتجهز المسرح لما جرى لاحقاً.
مواقف الإسلاميين، عموماً، تتسم بالغباء والعمى الإستراتيجي؛ انقلبت حماس على السلطة الوطنية في غزة عملياً، بينما كانت دعايتها النظرية تكرّر أنّ المخطط الصهيوني يهدف إلى تحويل الصراع، من صراعٍ ضدّ الاحتلال، إلى صراعٍ داخل الصف العربي الفلسطيني.
والواجب الوطني والقومي والإسلامي، يفرض علينا تحريم الاقتتال الداخلي، وتأكيد وحدة أبناء الأمة، دائماً نجد هذا الخطاب المنفصل عن الواقع.

أطلقت حماس، في غزة، حالة من الصّراع بين الأشقاء، الذي استمرّ ولم يتوقف، ما أضعف الجانب الفلسطيني

أما المجموعات السلفية الأخرى؛ فربما خير دليل يكشف حقيقة موقفهم من القضية؛ فتوى شيخهم الألباني، عندما سُئل عن أناس يعيشون في بلاد لا يستطيعون فيها إظهار شعائر دينهم، فأفتى لهم الشيخ بوجوب الهجرة إلى بلاد يستطيعون فيها ذلك، مستشهداً بقوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}، ولمّا سُئل: هل ينطبق هذا على فلسطين؟ قال: "على كل بلاد الدنيا، ما الفرق بين فلسطين وغيرها! كما أنّ مكة أعظم عند الله من فلسطين، وقد هاجر منها رسول الله وصحابته".
عرفت الساحة الغزاوية ظهور أسماء متعددة لكيانات سلفية جهادية؛ كجيش الإسلام، وكتائب التوحيد والجهاد، جلجلت سيوف الحق، جند الله، الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين، فهل أطلقت أيّاً منها رصاصةً على العدو الصهيوني؟!
أما الكيانان الأكبر، المنتميان لنفس العنوان، "داعش والقاعدة"، فقد سفكوا أنهاراً من دماء العرب والمسلمين، بينما لم نشهد لهم عمليةً واحدةً في مواجهة إسرائيل لجماعات تتسمَّى "أنصار بيت المقدس"، أو "جند الأقصى"، أو غيرها من المسمَّيات.
يملأ الإسلاميون -في مواجهة قضية فلسطين- الدنيا جعجعة لكنّها بلا طحين، وكان الأحرى بهم أن يدعموا الصف العربي المسلم، ويقوّوه، وأن يوجّهوا الجهود والطاقات لتلك المعركة.
لكن، من قال إنّهم يختارون المعركة الصحيحة أو يخاصمون العدو الصحيح؟!.

اقرأ المزيد...

الوسوم: