أردوغان يبرمج العقل الإخواني: الأرمن ليسوا ضحايا (3-3)

أردوغان يبرمج العقل الإخواني: الأرمن ليسوا ضحايا (3-3)

مشاهدة

14/01/2021

وظفت تركيا جماعة الإخوان في إطار مشروع العثمانية الجديدة الذي يتبنّاه الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان، حيث يرتكز هذا المشروع على أساس القومية التركية، ويوظف الجماعات الدينية، بما فيها حركات الإسلام السياسي، لجهة تحقيق المصالح السياسية الذاتية لتركيا.

اقرأ أيضاً: خفايا تركيا والإخوان في الصّراع بين أرمينيا وأذربيجان (1-3)

ويؤكد الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، أحمد سلطان، أنّ  "أردوغان استفاد من الشبكات الإخوانية التنظيمية والإعلامية، بهدف تبرير تدخلاته المتكررة في سوريا وليبيا واليمن وأذربيجان؛ إذ عمدت الجماعة إلى تنفيذ حملات دعائية منسقة لدعم الجهود التركية، وذلك في مقابل تشويه خصوم الرئيس التركي، واعتبارهم معارضين لنموذج الحكم الإسلامي، على حدّ زعم الجماعة"، مشيراً إلى أنّ "هذا الدعم له أسباب عديدة، وجزء منه هو تسديد ضريبة الولاء والرعاية لصالح الرئيس التركي، الذي احتضن جماعة الإخوان، وقياداتها، منذ سنوات، بعد أن توترت علاقتها بأغلب الدول الإقليمية، إثر أسباب وعوامل متنوعة".

وظفت تركيا جماعة الإخوان في إطار مشروع العثمانية الجديدة الذي يتبنّاه الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان

وتحقّق العلاقات الإخوانية التركية مصلحة متبادلة للطرفين؛ فالرئيس التركي يدعم الشبكات الإخوانية في دول القارة الأوروبية، وبعض الدول الآسيوية، بحسب الباحث المصري، كما يروّج النظام السياسي التركي ورموزه للإخوان في بعض المحافل، مقابل أن "يردّ الإخوان الجميل عبر دعم المواقف التركية، والوقوف بقوة خلف أردوغان، حتى إن كان الصراع متعلق بمصالح قومية، لا صلة لها بالدين، كما حدث في النزاع الأخير والمستجد بين أرمينيا وأذربيجان".

وعلى جانب آخر؛ فإنّ اهتمام تركيا بأذربيجان، له أبعاد متعلقة بمصالح تركيا المرتبطة بـمشروع "العثمانية الجديدة"، والذي يتبناه أردوغان، من الناحيتين السياسية والأيدولوجية.

العداء التاريخي الذي راكم الخصومة السياسية بين نظام الرئيس التركي والأرمن، يكاد يشكّل إحدى الزوايا، الخفية والمؤثرة، في آن معاً، في مشهدية الصراع الأخير

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ فإنّ "دفعة من مقاتلي الفصائل السورية الموالية لأنقرة قد وصلت إلى أذربيجان؛ حيث نقلتهم الحكومة التركية من أراضيها إلى هناك"، وأوضح المرصد أنّ هذه الدفعة "قد وصلت الأراضي التركية قادمة من منطقة عفرين، شمال غرب حلب, بينما هناك دفعة أخرى تتحضر للخروج إلى أذربيجان، في إطار الإصرار التركي على تحويل المقاتلين السوريين الموالين لها إلى مرتزقة".

حلم الخلافة وأوهام "الأستاذية"

ويوضح سلطان أنّ أذربيجان "هي دولة وسطية بين إيران وتركيا وروسيا، كما أنّ الشعب الأذري غالبيته من الإثنية/ القومية التركية، ومن ثم، فإنّ القيادة السياسية التركية تعدّ الأتراك والأذريين شعباً واحداً في بلدين، وبغضّ النظر عن البعد الإثني، فإنّ تركيا تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة في أذربيجان، عبر السعي لزيادة نفوذها العسكري والاقتصادي، وهذا هو الدافع والمحرك الأساسي للموقف التركي".

وعلى ضوء السبب الأخير؛ يؤكّد الباحث المتخصص في الإسلام السياسيّ، أنّ تركيا دعمت عسكرياً أذربيجان في الصراع الأخير، ونقلت المليشيات السورية للقتال على هذه الجبهة؛ لأنّها بصدد السعي نحو تدشين ممرّ بينها وبين أذربيجان، من خلال ناختشيفان، التي تقع في إقليم "قره باغ"، وهو ما سيمكّن تركيا من تعزيز تواصلها المباشر مع دول آسيا الوسطى، التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية، وهي بذلك تسعى لإحداث تغيير إستراتيجي- سياسي، على المدى الطويل، بما يعزز مشروع العثمانية الجديدة.

اقرأ أيضاً: ارتزاق الميليشيات الإخوانية السورية لصالح أنقرة في أذربيجان (2-3)

كما ستعزّز الحرب، في الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي، والمتنازع عليه، قدرة تركيا، من الناحية الاقتصادية، على الوصول تجارياً إلى أسواق دول يصل عدد سكانها إلى 3 مليارات نسمة، أي ما يقارب نصف سكان العالم، وذلك في ظلّ الدخول إلى الأسواق الآسيوية أمام البضائع التركية، وكذا تسهيل الوصول إليها عبر الممر الجديد.

الباحث أحمد سلطان لـ"حفريات": تركيا تروّج للإخوان في بعض المحافل، مقابل أن يردّ الإخوان الجميل عبر دعم المواقف التركية، والوقوف بقوة خلف أردوغان

وعليه؛ فإنّ تركيا تتحرى تعزيز القيمة الإستراتيجية لموقعها الجغرافي، وكذا مكانتها كمحطة إجبارية للربط بين الشرق والغرب، لا سيما فيما يتصل بموقعها في طريق الحرير التجاري الصيني، وقد افتتحت أنقرة، طوال السنوات الماضية، سلسلة مشاريع خطوط سكك حديدية وجسور وأنفاق، وممرَّي "أوراسيا" و"مرمراي" اللذين يربطان آسيا بأوروبا تحت مضيق البوسفور.

 

اقرأ أيضاً: هل إيران هي الخاسر الأكبر من اتفاق أذربيجان وأرمينيا؟

وبحسب سلطان، فإنّ تركيا ستتمكن، للمرة الأولى، تقريباً، عبر الانخراط في الصراع الأخير، من إيجاد موطئ قدم لتواجد عسكري في الحديقة الخلفية لروسيا، والتي ظلت طوال فترة طويلة تحتكر النفوذ في آسيا الوسطى.

النفط كلمة السرّ

وتتفق في ذلك، تقديرات تركية محلية تشير إلى أنّه "في حال بناء خطوط جديدة مباشرة لنقل الغاز بين تركيا وأذربيجان، عبر ناختشيفان، فإنّ تركيا سوف تحصل على غاز أرخص من أذربيجان، وسيصبح تدريجياً بديلاً عن الغاز الإيراني؛ حيث تدفع تركيا 490 دولاراً مقابل كلّ ألف متر مكعب من الغاز الإيراني، بينما يمكن أن تنخفض هذه التكلفة إلى 335 دولاراً، وذلك بحلول العام 2026، وهو موعد نهاية اتفاق توريد الغاز الموقّع بين أنقرة وطهران".

وتوضح صحيفة "إندبندنت" عربية، أنّه "رغم كون الصراع يبدو، في ظاهره، عرقياً، ويغذيه التعنت القومي، فإنّ هناك جانباً رئيساً يتعلق بالمنافسات الجيوسياسية في منطقة القوقاز، التي لا تشمل الأرمن وأذربيجان فحسب، ولكن الأتراك والروس، وربما إيران وإسرائيل، وحتى الولايات المتحدة؛ ففي حين تمثل القوقاز لروسيا منطقة نفوذ تقليدية، فإنّ الأتراك يسعون إلى تأكيد العلاقات العرقية المشتركة مع أذربيجان، ومعظم آسيا الوسطى، وقد سعت أرمينيا إلى علاقات وثيقة مع روسيا وإيران جزئياً، لمواجهة علاقات أذربيجان مع تركيا، وشددت جورجيا وأذربيجان على العلاقات مع الولايات المتحدة، جزئياً، لتعزيز استقلالهما في مواجهة روسيا، فيما تنظر الولايات المتحدة إلى روسيا وتركيا وإيران، باعتبارها مصدر قلق أمنيّ عميق لدول المنطقة".

 

اقرأ أيضاً: اتفاق سلام أرمينيا وأذربيجان: ما علاقة فوز بايدن والصفقة بين موسكو وأنقرة؟

ومن جانبه، ألمح التقرير الربع السنوي لخدمة أبحاث الكونغرس، إلى أنّ تعزيز الاستقلال والإصلاحات في جنوب القوقاز، قد حظي بأولوية لدى الولايات المتحدة، لكنّ الجدل استمرّ حول نطاق المشاركة الأمريكية، والتأكيد عليها وعلى فعاليتها، لا سيما أنّ الكونغرس خصّص، باستمرار، مساعدات خارجية لأرمينيا، كما وافق على المساهمة بالتمويل في جنوب القوقاز، لجهة تشجيع حلّ النزاعات، وتقديم مساعدات إعادة الإعمار، وتسهيل التكامل الاقتصادي الإقليمي.

 

اقرأ أيضاً: غاز القوقاز يورّط أردوغان في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان

كما ترتب على الدعم الذي خصصه الكونغرس الأمريكي لأرمينيا، عام 1992، حظر معظم المساعدات الحكومية الأمريكية لأذربيجان، وهو الأمر الذي توقف، في أعقاب الأحداث الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة، في 11 أيلول (سبتمبر) العام 2001؛ حيث تقرر إعفاء رئاسي من الحظر، لجهة تسهيل التعاون بين الولايات المتحدة وأذربيجان في مكافحة الإرهاب.

أطماع أردوغان المتنامية

وتتمثل أطماع أردوغان المتنامية في أذربيجان، في مسألة الحصول على النفط، بسعر بخس، مقارنة بالغاز الروسي الذي يكلّف تركيا 188 دولاراً، وكذا الغاز الإيراني الذي يكلّفها 191 دولاراً، بينما يكلّف الألف متر مكعب من الغاز الموجود في أذربيجان ما يقارب 180 دولاراً، حسبما أوضحت منصة "تي آر تي" التركية، في نسختها الناطقة بالعربية، في أيلول (سبتمبر) العام الماضي.

ويوضح الباحث المصري في العلوم السياسية، ومدير المركز العربي للبحوث والدراسات، هاني سليمان، لـ "حفريات"؛ أنّ "جنوب القوقاز يعدّ محطة إنتاج أساسية للطاقة بالنسبة إلى أنقرة، كما أنّ الأخيرة ترتبط مع أذربيجان في عدة مشاريع لخطوط وأنابيب الغاز الطبيعي؛ إذ تمتلك أذربيجان حقل (شاه دنيز 1)، الذي يضخّ نحو 8 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً، ثم (شاه دنيز 2)، ويضخّ نحو 16 مليار متر مكعب سنوياً، تخصَّص منها عشرة مليارات منها لأوروبا، وستة مليارات لتركيا، كما أنّ التعاون بين الأخيرة وأذربيجان في ذلك المجال، يعود إلى الشراكات المتعددة بينهما، من خلال خطّ أنابيب الغاز الطبيعي "باكو تبليسي أرضروم"، وكذا خطّ أنابيب "تاناب"، والذي يتولى، بدوره، عملية نقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا من خلال الأراضي التركية، بالإضافة إلى تطوير محطات الغاز الأربيجانية، على النحو الذي يجعلها قادرة على مضاعفة الإنتاج لنحو ثلات مرات، لتصل إلى نحو 20 مليار متر مكعب سنوياً".

الإبادة الجماعية للأرمن

وعلاوة على ذلك، فإنّ العداء التاريخي الذي راكم الخصومة السياسية بين نظام الرئيس التركي والأرمن، يكاد يشكّل إحدى الزوايا، الخفية والمؤثرة، في آن معاً، في مشهدية الصراع الأخير والمستجد بينهما؛ وذلك على خلفية إنكار أردوغان لعملية "الإبادة الجماعية للأرمن"، التي تورّطت فيها الخلافة العثمانية، قبل نحو مئة عام، رغم أنّ الوقائع المروية، والوثائق المكتشفة، كشفت أنّ أحداث الإبادة الجماعية للأرمن، التي جرت في الفترة بين ربيع العام 1915 وخريف العام ذاته، وقضى فيها نحو مليون ونصف المليون أرمني، حدثت بشكل مقصود ومتعمّد من العثمانيين في تلك الفترة، التي خضعت لحكم حزب الاتحاد والترقي، لفرض الهيمنة الإسلامية التركية على منطقة الأناضول الشرقية، وتغيير الطبيعة السكانية والديمغرافية فيها.

وبينما يرفض الأتراك مصطلح "الإبادة"، ويرون أنّه مجرد "نزاع أهلي"،  فإنّ ثلاثين دولة، في المقابل، تعترف بالإبادة العثمانية للأرمن، مطلع القرن التاسع عشر، حيث امتثل آلاف من الأرمن إلى أوامر التهجير القسري، واضطروا إلى الذهاب للمنفى في الصحراء السورية، حيث تتواجد معسكرات أمنية وسجون خاصة؛ إذ تعرّضت مجموعة منهم في الطريق إلى القتل بالرصاص، بينهم نساء وأطفال، وآخرون قتلوا بطرق مختلفة ووحشية، حسبما تذكر عدة مصادر موثقة؛ حرقاً أو غرقاً أو تسمّماً.

 

اقرأ أيضاً: كيف تجنبت روسيا الانجرار إلى الفخ التركي بصراع أرمينيا وأذربيجان؟

وبحسب موسوعة "الهولوكست"، في تقرير مفصل عن الإبادة الجماعية للأرمن؛ فإنّ "مصطلح الإبادة الجماعية، وإن لم تتم صياغته حتى عام 1944، إلا أنّ معظم العلماء يتفقون على أنّ القتل الجماعي للأرمن يتطابق والتعريف العلمي؛ حيث استخدمت الدولة العثمانية، بشكل منهجي، حالة عسكرية طارئة، لجهة التأثير على سياسة سكانية وديمغرافية طويلة الأجل، تهدف من خلالها إلى تقوية العناصر التركية المسلمة في الأناضول في مقابل السكان المسيحيين، والذين من بينهم الأرمن والآشوريون، كما أنّ الوثائق العثمانية والأرمنية، وكذا البريطانية والفرنسية والألمانية والنمساوية، تكشف حالة تعمّد من قبل الحكومة العثمانية، بهدف استهداف السكان الأرمن في الأناضول عن عمد".

جمع بيانات دقيقة عن الأرمن

وتضيف الموسوعة، في تقرير منشور لها: "صدرت تعليمات من القسطنطينية، حيث وجهت الحكومة المركزية بجمع بيانات دقيقة عن الأرمن، تبدأ من إحصاء عدد الذين تمّ ترحيلهم، ثم حجم ونوع السكن الذي تركوه وراءهم، وأخيراً، معرفة عدد المبعَدين ممن وصلوا إلى معسكرات الاحتجاز".

وقد جاءت التعليمات من أعلى مستويات الدائرة الحاكمة في الدولة العثمانية، بحسب المصدر ذاته، حيث كان في مركز العملية كلّ من: طلعت باشا، وزير الداخلية، وإسماعيل إنفر باشا، وزير الحرب، وبهاء الدين صقر، المدير الميداني للمنظمة الخاصة، ومحمد نظيم، قائد التخطيط الديمغرافي.

وقبل عام، أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ذكرى الإبادة الأرمنية "يوماً وطنياً في باريس"، وذلك بعد نحو 18 عاماً من الاعتراف بجريمة "الإبادة" في حقّ الأرمن، كما كرّم المؤرخ التركي، تانير أكشام، صاحب أهم الكتب التي وثقت تلك الجريمة، بل يعدّ انفراداً تاريخياً؛ لحصوله على "برقيات" ووثائق عثمانية وجّهت على نحو مباشر بتنفيذ الإبادة الأرمينية والقتل الجماعي، وعليه، هي أوّل إثبات علمي تاريخي وموثق ينفي مزاعم أنقرة.

 

اقرأ أيضاً: لماذا يحاول أردوغان أسلمة الصراع بين أرمينيا وأذربيجان؟

وقد سلم المجلس التنسيقي للمنظمات الأرمنية، في باريس، المؤرخ التركي "ميدالية الشجاعة"، أثناء حضور الرئيس الفرنسي، الذي قال في كلمته للمؤرخ التركي: "لقد فضحتم الإنكار التركي للإبادة".

ولذلك؛ انفرد الموقف الفرنسي عن غيره من المواقف الأوروبية، فيما يتصل بالحرب المندلعة في إقليم قره باغ، بالوضوح، وقد دان ماكرون، خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة اللاتفية، ريغا، "الخطاب الحربي" الذي تعتمده أنقرة، ورأى أنّه يشجع أذربيجان على مواصلة القتال، بهدف استعادة السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباغ، ووصف الأمر بـ "المتهور والخطير"، كما شدّد الرئيس الفرنسي على أنّ المواقف التركية إزاء الموضوع "غير مقبولة".

الصفحة الرئيسية