ملامح الانتخابات العراقية المقبلة.. هل تؤكد تبعية العراق لإيران؟

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي

32
عدد القراءات

2018-02-07

من المقرَّر أن تجري الانتخابات العراقية، في الثاني عشر من أيار المقبل، رغم أنّ جدالات صاخبة، وأصواتاً بين المكونات السياسية العراقية، ما تزال ترتفع مطالبة بتأجيلها، على خلفية وجود أكثر من مليون نازح في مناطق غرب وشمال العراق، والشكوك حول إمكانية مشاركتهم في الانتخابات، ارتباطاً بكون أولويات هذه المناطق، العودة إلى مناطقهم، وإعادة الإعمار، بعد الحريق الهائل الذي شهدته مناطقهم في إطار الحرب على داعش، واستمرار تواجد قوات الحشد الشعبي فيها، وضعف احتمالات مغادرة هذا الحشد لها، حتى بعد إجراء الانتخابات.

الانتخابات العراقية الجديدة ستجري هذا العام في ظلّ متغيرات عميقة اجتاحت العراق داخلية وإقليمية ودولية

الانتخابات العراقية الجديدة، ستجري هذا العام، في ظلّ متغيرات عميقة اجتاحت العراق، داخلية وإقليمية ودولية، خلال الأعوام الأربعة الماضية؛ أي منذ انتخابات عام 2014، وإضافة للتغيير في البنى الاقتصادية والاجتماعية العراقية، جراء الحرب على داعش، يشارك، للمرة الأولى، الحشد الشعبي العراقي في هذه الانتخابات، باعتباره طرفاً سياسياً فاعلاً، ومتغيراً جديداً في الطبقة السياسية العراقية، خاصة في الشقّ الشيعي منها، معزَّزاً بالانتصار على داعش، باعتباره قوة موازية للدولة العراقية، وربّما تتفوّق عليها، فيما ترتسم علاقة جديدة بين إقليم كردستان العراق، والحكومة المركزية في بغداد، بعد إفشال الاستفتاء الكردي لانفصال إقليم كردستان، وتنازع الحكومة، وفصائل الحشد الشعبي العراقي النصر على داعش، وإحباط مخطط الأكراد بالانفصال والاستقلال.

غير أنّ التغيير الأهم، خلال الأعوام الأربعة الماضية، أنّ الانتخابات العراقية المقبلة، ستجري في ظلّ إدارة أمريكية جديدة، بقيادة ترامب، الذي قرّر مواجهة إيران، بإعادة النظر في الصفقة النووية التي تمت في عهد سلفه أوباما، ووضع حدٍّ لبرنامج إيران الصاروخي، والتعامل مع أذرعها وأدواتها في العراق "الحشد الشعبي"، وفي سوريا "الحرس الثوري الإيراني" و"المليشيات الشيعية"، وفي لبنان "حزب الله"، وجماعة "أنصار الله" الحوثية في اليمن، ويساند ترامب في خططه تجاه إيران، تحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية، ما سيجعل العراق، إلى جانب مناطق أخرى في سوريا ولبنان واليمن، ساحات صراع مع إيران.

التغيير الأهم، خلال الأعوام الأربعة الماضية، أنّ الانتخابات العراقية المقبلة، ستجري في ظلّ إدارة أمريكية جديدة

إيران من جانبها، تدرك الاستهداف الأمريكي؛ فبعد جدالات في العراق، قبل إقرار موعد الانتخابات، والتسريبات حول تحالفات جديدة في العراق، عابرة للطائفية والقومية، أرسلت رسالة قوية بإمكانية استعادة العراق لسيادته المسلوبة إيرانياً، منذ عام 2003، والمؤسَّسة أمريكياً على دستور بريمر، وبأنّ هناك فرصة جادة لعراق جديد، ليس بالضرورة أن يكون معادياً لإيران، إنّما عراق يوازن بين مصالحه الوطنية، وبناء منظومات تحالفاته الإقليمية والدولية، كلّ تلك الآمال والصورة الوردية، تمّ وأدها من قبل قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني، خلال زيارات مكوكية إلى بغداد، وعقد لقاءات مع الأحزاب الشيعية العراقية، أسفرت عن إعادة (هندسة) المشهد الانتخابي العراقي، بما يضمن أن تصبّ مخرجات هذه الانتخابات في صالح إيران، وإبقاء العراق تحت الهيمنة المطلقة لإيران.

الإستراتيجية الإيرانية، في الانتخابات العراقية، تقوم على ضمان محاصرة حيدر العبادي انتخابياً، في ظلّ توجهاته ذات الميول الأمريكية، وإمكانية مواصلته لمشروعه بتحقيق توازن في علاقات وتحالفات العراق، بطريقة متعاكسة تماماً مع نهج سلفه نوري المالكي، الذي رهن العراق كاملاً لإيران، في ظلّ تقديرات إيرانية بأنّ نجم المالكي أفل، فيما حظوظ العبادي بمواصة قيادة الحكومة هي الأقوى، على ضوء نجاحاته في لجم الطموح الكردي بالاستقلال، والنجاح في هزيمة داعش تحت قيادته، وتحقيق انفراجات في علاقاته مع الدول العربية، تحديداً مع المملكة العربية السعودية، خصم إيران اللدود في المنطقة، فقد أبرزت إيران رجلها القوي في العراق "هادي العامري"، قائد الحشد الشعبي، على رأس كتلة انتخابية، بصرف النظر عن تحالفها مع العبادي، قبل أو بعد الانتخابات، مؤكّداً حصده ما يكفي من المقاعد، ليكون الأقوى لتنفيذ مصالح إيران في العراق، وضبط إيقاع حيدر العبادي خلال الأعوام الأربعة القادمة في ولايته الثانية.

ويبدو أنّ إيران معنيّة بمخرجات انتخابات عراقية على مقاسها، لأسباب تتعلق بإستراتيجيتها المتضمنة استمرار السيطرة على العراق (كلّ العراق)؛ إذ إنّ العراق يعدّ الحلقة الأهم للمشروع الإيراني في الإقليم، مقارنة باليمن، أو العلاقة مع حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وحتى سوريا، في حال المفاضلة بين أهمية سوريا والعراق بالنسبة إلى إيران، ولم تتوقّف إيران عند (هندسة) الانتخابات في الوسط السياسي الشيعي؛ بل طالت هذه الهندسة الوسطين؛ السنّي والكردي، من خلال اختراقها رموزاً في هذين الوسطين، عبّرت عنه تطورات كركوك، وانسحاب جزء من قوات البشمركة، على هامش الاحتكاكات التي جرت بعد الاستفتاء الكردي، في أيلول الماضي، واستدعاء رئيس البرلمان العراقي، سليم الجبوري، القيادي في حزب الإخوان المسلمين العراقيين "الحزب الإسلامي"، بما سيفضي إلى التناغم مع القيادة الشيعية الجديدة التي ستفرزها تلك الانتخابات.

من غير المتوقع أن تسفر الانتخابات العراقية عن تغييرات تسهم في تغيير حقيقة أنّ العراق تابع لإيران

ومن الواضح، أنّ هذه الانتخابات تعني الكثير للقيادة الإيرانية؛ حيث تجري بعد انتفاضة شعبية إيرانية شاملة، كادت تطيح بالنظام؛ حيث تشكّل انتخابات العراق، أوّل ساحة للرد على مخططات أمريكا والسعودية، المتَّهمتين من قبل القيادة الإيرانية بدعم تلك الانتفاضة.

وفي الخلاصة، إنّه من غير المتوقع أن تسفر الانتخابات العراقية، إذا ما جرت في موعدها، عن تغييرات تسهم في تغيير صورة وحقيقة أنّ العراق تابع لإيران، وهو ما سيفتح الآفاق لرفع وتيرة الصراع الأمريكي مع إيران في العراق، وربما يتّخذ مسارات وسيناريوهات جديدة، في ظلّ الإصرار الأمريكي على مواجهة إيران، وربما يكون خيار مواصلة حروب الوكالة بين الجانبين، هو الخيار الأرجح؛ إذ سيخوض الطرفان حربهما في العراق بالدّم العراقي، ومن المؤكَّد أنّ هناك جهات عراقية لديها الاستعداد لخوض هذه الحرب بهذه الصيغة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: