كان حراماً.. القهوة "معصية" أعانت على قيام الليل وأيقظت النعاس!

صورة خالد بشير
كاتب أردني

50
عدد القراءات

2018-01-02

رافق ظهور القهوة في العالم الإسلامي في القرن الخامس عشر الميلادي معركة فقهية وصلت حد ترافق ذلك مع أحداث شغب تثور وتهدأ، حسب المزاج العام للناس الذي حكمه الفقهاء، واستمر هذا العبث والجدل الصاخب في الدولة العثمانية حول تحريم القهوة قرابة قرنين من الزمن، بدعوى أنّها "مسكرة ومفسدة" للعقل والبدن؛ بل ذهب بعضهم إلى أنّ خطرها أشد من الخمر!
انتشار القهوة وظهور المقاهي
يرجع تاريخ اكتشاف مشروب القهوة، إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وكان ذلك في اليمن، وتحديداً في زوايا الصوفية؛ حيث استعان بها الصوفيون والدراويش لتكون معيناً لهم على السهر والتعبد ليلاً، وقد اشتهرت الموانئ اليمنية لاحقاً بتصديرها إلى سواحل المحيط الهندي، وسائر الأسواق العالمية.
وكان أول من ابتكرها هو أبو بكر بن عبدالله العيدروسي (1447-1509)، من مشايخ اليمن المتصوفة، فقد كان في سياحته في الجبال، فمرّ بشجر البنّ، فأكل من ثمره، ووجد فيه تنشيطاً للعبادة، واجتلاباً للسهر، فاتخذها طعاماً وشراباً، وأرشد أتباعه إليها.

زراعة أشجار البن في جبال اليمن

انتشرت القهوة في اليمن، ثم انتقلت فيما بعد إلى بلاد الحجاز، ثم إلى الأناضول، والشام، ومصر، ويمدّنا ابن طولون في كتابه "مفاكهة الخلان في حوادث الزمان" بمعطيات عن بداية انتشار القهوة والمقاهي في دمشق، وقد كان ذلك على يد الشيخ علي بن محمد الشامي الذي أتى من الحجاز إلى دمشق سنة 1539؛ حيث "أشهر شرب القهوة فاقتدى به الناس وكثرت يومئذ حوانيتها".
وافتتح أول محلّين لتقديم القهوة بالأستانة في عهد السلطان سليمان القانوني العام 1554، وكان صاحباها رجلين من الشام؛ حيث جاء الأول من حلب، والآخر من دمشق، وذلك في منطقة "تخته قلعة" باسطنبول، وتردّد الشبان الأتراك بكثافة على هذا المقهى، كما وجد فيه الشعراء والمثقفون متنفساً جديداً للاستمتاع بمشروبهم المفضل واستمرار مناقشاتهم، فضلاً عن لعب الشطرنج والنرد، وشيئاً فشيئاً تردد الناس من كل المستويات على هذا المقهى وغيره من المقاهي التي انتشرت في المدينة، إلى درجة أنّ الكثير من ضباط السرايا والباشوات وكبار الموظفين قد أصبحوا رواداً دائمين للمقاهي في اسطنبول.

كان طلبة الأزهر يشربون القهوة لإعانتهم على السهر في طلب العلم

وعند نهاية القرن السادس عشر كانت القاهرة تعجّ بالمقاهي، وهو ما لاحظه الرحّالة الأوروبيون، ومنهم هنري كاستيلا الذي زار القاهرة العام 1600، ورأى "وجود العديد من الحانات التي يشرب فيها الناس طوال النهار ماءً ساخناً أسود اللون"، ولاحظ رحالة آخر، يدعى يوهان فيلد الذي زار مصر في الفترة 1606- 1610، أثناء وجوده في دمياط وجود ما أسماه "قهوة خانات"؛ أي المقاهي؛ حيث "كان الناس يترددون عليها ليشربوا ماءً مغلياً أسود اللون"، وفي الجامع الأزهر كان طلبة الأزهر يشربونها لإعانتهم على السهر في طلب العلم.

انتشار القهوة مع القوافل التجارية القادمة من اليمن

بداية الجدل الفقهي
استتبع انتشار القهوة والمقاهي نشوء جدل فقهي حول حلّها أو حرمتها؛ إذ اختلف الفقهاء في أمرها، فذهب جماعة إلى تحريمها على اعتبار أنّها مضرّة، وخصوصاً لما يصاحب شربها من مظاهر اللهو، والانصراف عن العبادة.
وكان من أبرز الفقهاء المفتين بحرمتها شيخ الإسلام يونس العيثاوي الدمشقي (المتوفى العام 1496)، والشيخ الكازروني الذي ألّف رسالة في تحريمها، ومكي بن الزبير العدوي الذي ألف "قمع الإمارة بالسوء عن الشهوة: بيان حرام شرب القهوة"، وحسن بن كثير الحضرمي المكي الذي ألف "قمع الشهوة عن شرب القهوة"، ومحمد القطان الشافعي خطيب المدينة المنورة الذي ألف "زلة القدم والهفوة ممن يتعاطى شرب القهوة".

ظهر عدد من الفقهاء المناصرين للقهوة كالشيخ أبي بكر المكي والشيخ أبو الفتح المكي الذي وُصف بمغالاته في نُصرة القهوة

وفي المقابل ظهر عدد من الفقهاء المناصرين للقهوة، كالشيخ أبي بكر المكي الذي ألف رسالته "إثارة النخوة بحُكم القهوة"، ثم رد برسالة أخرى "إجابة الدعوة بنصّ القهوة"، وفي دمشق كان هناك الشيخ أبو الفتح المكي (ت 1567) الذي يصفه بعض المؤرخين بأنه كان "مغالياً في نُصرة القهوة".

وكان من أبرز المحللين القاضي محمد بن إياس، الذي أجرى تجربة في بيته قبل إصدار الفتوى، وكان دافعه إلى ذلك حادثة القبض على مجموعة من متعاطي القهوة في القاهرة العام 1539 وحبسهم بتهمة شرب القهوة؛ حيث دعا ابن إياس جماعة من الناس إلى بيته، وقدم لضيوفه القهوة، واستمر في الحديث معهم في قضايا فقهية وعلمية اختباراً لتركيزهم، وعندما رأى أنّهم قد حافظوا على تركيزهم، أقرّها وأفتى بأنها حلال.
فرمانات وأوامر سلطانية
في سنة 1511، وبينما كان حاكم مكة المملوكي خاير بك عائداً إلى بيته ليلاً، شاهد جمعاً من الناس قد انتحوا جانباً من المسجد الحرام مستغرقين في كؤوس الشراب، وما إن شاهدوه حتى قاموا بإطفاء الفوانيس، مما زاد من شكوكه، فلما سأل عن شرابهم أجيب بأنّها القهوة التي جلبت حبوبها من اليمن وانتشر تناولها بمكة في أماكن يرتادها الرجال وأحياناً النساء، وحينها قرر خاير بك اللجوء إلى ممارسة سلطاته التي كان من ضمنها الحسبة، فأمر بجمع كبار فقهاء مكة، وبعد أن شرح لهم تكرر اجتماع الناس في أماكن شرب القهوة مع ضرب العود والدف أحياناً، أفتوا بأنّ حب البن حكمه حب بقية النباتات، أما اجتماع الناس على شرب القهوة، فإنه "حرام" وعلى هذا فيجب أن يحرّم شربها.
ولم يكتف خاير بك بهذا؛ بل جمع شهادات أخرى لأطباء وأناس عاديين شهدوا أنّ القهوة "مفسدة للبدن المعتدل"، وأنّ شربها "يجرّ إلى المعصية وإلى تغير الحواس والتباس العقل".

بعد أن استوجب خاير بك من الفقهاء شروط حرمة القهوة أمر بالمنادي في شوارع مكة بأنّ: شرب القهوة محرم شرعاً

وبعد أن استوجب خاير بك من الفقهاء شروط حرمة القهوة، أمر أن ينادي المنادي في شوارع مكة بأنّ شرب القهوة "محرم شرعاً"، ولهذا فقد توجب معاقبة شاربيها، وتم إغلاق كل محال بيع القهوة وإحراق حبوب البن كافة في مخازن التجار في مكة المكرمة.
غير أن السلطان الغوري (1446-1516) أبدى دهشته مما يحدث في مكة المكرمة، فقد كان شرب القهوة في القاهرة مباحاً بشهادة الفقهاء والأطباء أيضاً، الأمر الذي دفعه إلى مخاطبة خاير بك بضرورة الرجوع عن قراره بتحريمها، مع الاستمرار في سياسته لمنع الفوضى الناجمة عن رواد المقاهي.
وهكذا استعاد أهالي مكة حرية شرب القهوة، غير أنّ بعضهم لم يكتف بتناولها فحسب؛ بل كثيراً ما قاموا بأحداث شغب في شوارع المدينة، من ذلك ما حدث العام 1524، ليأمر قاضي مكة من جديد بإغلاق كل المقاهي، غير أنه لم يمنع شرب القهوة في المنازل، وفيما بعد أعيد فتح المقاهي بعد استتباب حال الأمن وتعهد أصحابها إقرار النظام.

هاجم خطيب بالقاهرة العام 1524 القهوة وشاربيها ما دفع مستمعيه لمهاجمة أول مقهى صادفهم ليكسروا أواني القهوة ويشتبكوا مع روّاده

وكان من الطبيعي أن تنتقل المساجلات الفقهية حول شرب القهوة إلى القاهرة من جديد، فقام أحد خطباء المساجد العام 1524، بمهاجمة القهوة وشاربيها بقسوة، مما دفع مستمعيه إلى مهاجمة أول مقهى صادفهم ليكسروا أواني القهوة ويشتبكوا مع روّاده.
وانتقل تحريم شرب القهوة من مكة إلى القاهرة ثم إلى اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية؛ إذ تمكنت إحدى سيدات البلاط العثماني من إقناع السلطان سليمان القانوني بأن يصدر مرسوماً في العام 1543 إلى إحدى القوافل المتجهة إلى مكة المكرمة ينصّ على عدم السماح بشرب القهوة، غير أنّ أهالي المدينة لم ينصاعوا هذه المرة لأوامر السلطان العثماني.

مثّلت الفتوى التي أصدرها مفتي اسطنبول في عهد مراد الثالث بتحليل القهوة نقطة تحول تراجعت بعدها فتاوى التحريم

وبالطريقة نفسها التي حدثت في مكة والقاهرة، انتقد الأئمة والوعاظ في الأستانة هذا الوضع الذي جعل المقاهي ملأى بروادها، في الوقت الذي عانت المساجد قلة أعداد المصلّين، ولم يكتفوا بذلك بل استصدروا أمراً من مفتي اسطنبول بتحريم شرب القهوة "لمخالفتها الشرع الإسلامي"، وهكذا أغلقت المقاهي في اسطنبول وبدأ رجال الأمن في مطاردة شاربيها.
نهاية "المحنة"
وفي سنة 1572 صدر حكم سلطاني من السلطان سليم الثاني جاء إلى القاهرة يقضي بـ "منع المنكرات والمسكرات والمحرمات، ويُغلق أبواب الحانات والخانات، ومنع استعمال القهوة، والتجاهل بشربها، وهدم كوانينها وكسر أوانيها"، وصحب تنفيذ هذا الفرمان السلطاني بطش وشدة من "العسس"، ويروي المؤرخ الجزيري المعاصر لهذه الأحداث: "وضربوا وأشهروا، وهدموا البيوت، وكسروا أوانيها.. ولم يبلغنا فعلهم مثل ذلك في أواني الخمر والحشيشة".

قهوة الفيشاوي في القاهرة يعود تأسيسها إلى العام 1797

وفي عهد السلطان مراد الثالث (1546-1595)، جرى تجديد الفتوى بحرمة شرب القهوة إلى أن قام بتعيين مفتٍ جديد لمدينة اسطنبول بعد حالة من الفوضى قادها التجار، ويبدو أنّ الرجل هذه المرة كان يتمتع بأفق أكثر سعة من سابقيه، وهو ما جعله يعلن أنّ شرب القهوة غير محرم شرعاً، مما أعاد الأمور إلى نصابها في عاصمة الخلافة الإسلامية، وكانت هذه الفتوى بمثابة نقطة تحول في الجدال حول الحرمة الذي استمر قرابة قرنين؛ حيث شهدت بعدها الفتاوى المحرمة تراجعاً تدريجياً، خصوصاً وأنّ عامة الناس في المدن والحواضر الكبرى، من اسطنبول إلى مكة، إلى القاهرة، استمروا في شرب القهوة في الشوارع والمقاهي، وحتى عند صدور فرمانات التحريم، كانوا يشربونها سراً في المنازل.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: