"النهضة" تقاضي صحفيين تونسيين ومنظمات إعلامية تتهمها بتكميم الحرية

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي

80
عدد القراءات

2018-02-20

أثار بلاغ أصدرته حركة النهضة تعلن فيه اعتزامها رفع دعاوى قضائية ضد صحافيين، موجة انتقادات وجدلاً واسعاً في الشارع التونسي طرح من جديد قضية علاقة حركة النهضة بالإعلام، وهي علاقة متوترة في الغالب منذ 2011.

وقال البلاغ المعنون بـ"النهضة تقرّر مقاضاة الأشخاص والمؤسسات الإعلامية المنخرطة في حملات التشويه الممنهجة"، إنّ المكتب التنفيذي للحركة قرر "في اجتماعه الجمعة 09 شباط (فبراير) 2018 بإشراف رئيس الحركة راشد الغنوشي المتابعة القضائية للأشخاص والمؤسسات الإعلامية المنخرطة في هذه الحملات والمصرة على المواصلة فيها".

دانت منظمة "مراسلون بلا حدود" قرار حركة النهضة القاضي بمتابعة صحفيين ووسائل إعلام أمام القضاء باعتبارها "معادية" له

النهضة: الإعلام تمادى!

وتابع البلاغ أنّ القرار يأتي "أمام تتالي الحملات التشويهية الممنهجة ضد حركة النهضة، وأمام تمادي بعض الأصوات الإعلامية في إلحاق التهم الباطلة والتعريض بالحركة والتحريض على قياداتها والشحن ضد أعضائها وأنصارها".

وأضاف أنّ المكتب التنفيذي "كلف مكتبيْ الشؤون القانونية والإعلام والاتصال بإعداد الملفات والقيام بالإجراءات اللازمة"، معتبراً أن "قرار المتابعة القضائية هو دفاع عن منجزات الثورة في بيئة ديقراطية نظيفة وفي إعلام حر ومهني يحترم عقول التونسيين ويخدم الأجندة الوطنية، كما هو دفاع عن مشروع الحركة وإسهاماتها في خدمة تونس وعن نضالات شهدائها ومساجينها ومهجريها من النساء والرجال".

ترهيب وتكميم أفواه

واعتبرت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين أن في بلاغ حركة النهضة "تصعيداً في لغة الخطاب السياسي تحاول فيه جر الصحفيين إلى ساحة معركة ليسوا معنيين بها وتمضي إلى التلويح بالملاحقة القضائية للمخالفين لها في اتجاه خلق مناخ من الاحتقان والاصطفافات".

وقالت النقابة، في بيان لها بتاريخ 12 شباط (فبراير) الجاري، منشور على موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت "إنّ تهديد الصحفيين والتحريض ضدهم وتخويفهم بالملاحقات القضائيّة لا يصبّ سوى في دائرة الترهيب وتكميم الأفواه والحدّ من هوامش حرية التعبير والصحافة خاصة، وقد أكدت التجربة التونسيّة أكثر من مرة أنّ صحافة حرة تقوّم أخطاءها وإخلالاتها أفضل بكثير من صحافة التعليمات والتعتيم والبروبغندا، وأنّ نقاش الفعل الصحفي مكانه وسائل الإعلام والفضاء العام وليس ساحات المحاكم".

من جهتها، دانت منظمة "مراسلون بلا حدود" قرار حركة النهضة القاضي بمتابعة صحفيين ووسائل إعلام أمام القضاء باعتبارها "معادية" له.

متى ستتصالح حركة النهضة مع إعلام تحضر فيه بكثافة عجيبة في كل المنابر والبرامج في التلفزة والراديو؟

واعتبرت المنظمة في بيان لها بتاريخ الإثنين 12 شباط (فبراير) الجاري، أنّ "هذا القرار يشكل تهديداً خطيراً لحرية الصحافة"، مشددة على ضرورة تذكير حزب النهضة بأنّ الصحفيين يلعبون دوراً محورياً بالنسبة لمستقبل الديمقراطية، وبالتالي يجب أن يكون باستطاعتهم ممارسة مهمتهم الإعلامية في استقلال تام دون خوف من أية ملاحقات قضائية".

اعتبرت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين أن في بلاغ حركة النهضة "تصعيداً في لغة الخطاب السياسي

علاقة متوترة منذ زمن

ويأتي قرار حركة النهضة بعد أسبوع بالضبط من بلاغ ترفض فيه "الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون والمدونون خلال أداء مهامهم ومساندتهم في دفاعهم عن حرية التعبير باعتبارها من أهم منجزات دستور ثورة الحرية والكرامة".

وأكد المكتب التنفيذي للحركة، في بيان بتاريخ 3 شباط (فبراير) الجاري، "أن المصلحة الوطنية، وخاصة في الفترة الحالية حيث تتجه بلادنا إلى تنظيم الانتخابات المحلية، تقتضي احترام حرية العمل الاعلامي مع ضرورة التمسك بأخلاق المهنة باعتبار ذلك من شروط نجاح الانتخابات وتعزيز البناء الديمقراطي".

يعكس هذا التناقض علاقة متوترة بين حركة النهضة والمؤسسات الإعلامية التونسية له امتداده في الزمن. فقد دعمت سابقاً اعتصاماً مفتوحاً دام قرابة شهرين نفّذه بعض أنصارها ومقربين منها من سلفيين برايات سود وغيرهم أمام مقر مؤسسة التلفزة التونسية في نيسان (أبريل) 2012 بلغ حد مناوشات بين المعتصمين أمام مقر التلفزة من جهة والتقنيين والصحفيين والعاملين بها من جهة أخرى وصل حد التراشق بالحجارة حينها، واعتبر ملاحظون وقتها أنّ حركة النهضة تريد تركيع الإعلام والسيطرة عليه، متعللين بمناداة بعض الوجوه البارزة في النهضة بخوصصة مؤسسة الإذاعة والتلفزة.

تونس 7 هو الاسم القديم للقناة الوطنية الأولى الحالية

شعارات تمتدح "الجزيرة"

ورفع المعتصمون حينها شعارات معادية لمؤسسة التلفزة التونسية من قبيل للبيع من يشتري تونس 7؟، "إنه مزاد اللاّوطنية"، "لا خوف لا رعب التلفزة ملك الشعب". كما تضمنت الشعارات مدحاً لقناة الجزيرة القطرية: "تونس 7 يا حقيرة، شوف أسيادك في الجزيرة" (تونس 7 هو الاسم القديم للقناة الوطنية الأولى الحالية).

حركة النهضة التي كانت القوة الأولى في حكومة "الترويكا" حينها أصدرت بياناً اتهمت فيه التلفزة الوطنية بالانحياز "بسبب مواصلة بعض الأطراف في مؤسسة التلفزة انحيازها وإخضاعها نشرة الأخبار الرئيسية للتوجيه".

معتصمون مناصرون للنهضة رفعوا شعارات معادية لمؤسسة التلفزة التونسية الوطنية من قبيل "للبيع من يشتري تونس 7"

وقالت النهضة في بلاغها بتاريخ 24 نيسان (أبريل) 2012، إن "تأخر الإصلاح في الإعلام العمومي أدى إلى مناداة جزء من الرأي العام بضرورة التعجيل بحلّ، وصل إلى حدّ المطالبة بخوصصته"، ورأت "أن الإصلاح والتغيير والمحاسبة في قطاع الاعلام العمومي ضروري من أجل تمكين المواطن من حقه في إعلام وطني مهني وموضوعي ومحايد".

حركة النهضة التي عاش عدد كبير من قياداتها في الغرب زمناً أفادوا فيه من مناخ حرية التعبير الذي تضمنه الحداثة الأوروبية، يتعاملون مع الإعلام تحت عنوان المصلحة، وفق مراقبين؛ إذ يمدحون مناخ الديمقراطية وحرية التعبير والحداثة والانفتاح والتسامح وكل المبادئ التي ضمنت لهم إقامة فارهة في الغرب، وسمحت بوجودهم في الخارج، غير أنهم سرعان ما ينقضون عليها في الداخل في أول وهلة حالما يشعرون بأنّ هذه المبادئ لم تعد تخدمهم. أما التعلاّت فعادة ما يتم اشتراط حرية التعبير والإعلام بـ"المسؤولية"، وهي مصطلح فضفاض لا أحد يمكن أن يضبط له تعريفاً دقيقاً يبين حدود كل ممارسة إنسانية ويدرجها بوضوح ضمن دائرة الحرية من تجاوزها، فإلامَ ستدوم هذه العلاقة المتوترة بين حركة النهضة وحرية الإعلام؟ وهل ستصغي حركة النهضة إلى التأصيل الذي أشارت فيه النقابة بوضوح إلى أن الخلافات مع الإعلاميين تفضّ على منابر الحوار في الإعلام لا في المحاكم والدوائر الجنائية؟ ومتى ستتصالح حركة النهضة مع إعلام تحضر فيه بكثافة عجيبة في كل المنابر والبرامج في التلفزة والراديو وفي الصحف وغيرها من الوسائل الإعلامية التي تلدغها في أوّل منعطف؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: