التونسيون يرفعون البطاقة الصفراء في وجه الحكومة: ماذا ننتظر؟

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي

1894
عدد القراءات

2018-01-12

رفع المتظاهرون التونسيون "بطاقات صفراء" لإنذار الحكومة بضرورة مراجعة إجراءاتها الاقتصادية والاجتماعية، مرددين شعارات "الشعب يريد إسقاط الميزانية" و"شادين شادين في سراح الموقوفين".

وطالب المتظاهرون، الجمعة، الحكومة بمراجعة أسعار المواد الاستهلاكية ودعم المقدرة الشرائية للفئات الاجتماعية الضعيفة، كما طالبوا بالإفراج عن الموقوفين في المظاهرات والاحتجاجات الأخيرة في العديد من مناطق الجمهورية، التي خرجت ضد الميزانية.

الحكومة التونسية صادقت على الميزانية الاقتصادية رغم الانتقادات الواسعة يوم السبت 9 كانون الأول (ديسمبر) 2017

وتعيش تونس منذ مطلع العام الحالي على وقع الاحتجاجات في مدن مختلفة، على خلفية قانون المالية لسنة 2018 التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب ما فرضته من زيادات في أسعار البنزين والغاز والمواد الأساسية وغيرها؛ حيث تظاهر بعد ظهر الجمعة 12 كانون الثاني (يناير) 2018 العشرات من شباب حملة "فاش تستناو؟" (ماذا تنتظرون؟) والطلبة أمام مقر ولاية تونس والمسرح البلدي بالعاصمة مطالبين بـ "إسقاط الميزانية" لسنة 2018، حسبما أفادت وكالة تونس إفريقيا للأنباء.

وكانت الحكومة التونسية صادقت على الميزانية الاقتصادية، رغم الانتقادات الواسعة، يوم السبت 9 كانون الأول (ديسمبر) 2017 بأغلبية 134 صوتا،ً مع احتفاظ 12 ورفض 21. واعتبر وزير المالية، رضا شلغوم، وقتها، في تصريح إعلامي، أنّ القانون قد حافظ على جملة من التوجهات نحو عدد من القطاعات الاقتصادية والفئات الاجتماعية وسيسهم في الانطلاق في تطبيق "الإصلاحات الكبرى" التي من شأنها الحفاظ على التوازنات المالية للبلاد، وفق قوله.

احتجاجات سلميّة وأعمال نهب وتخريب

وكانت مجموعة من الشباب أطلقت الأسبوع الماضي حملة "فاش تستنّاو" (ماذا تنتظرون؟) ضد قانون الميزانية وغلاء الأسعار، ودخلت عدة مناطق من الجمهورية مسيرات وتحركات احتجاجية ليلية، وبعض أعمال عنف وتخريب وسرقة ونهب وحرق.

فقد شهدت قبلي (الجنوب) مواجهات بين الأمن والمحتجين، تم خلالها سرقة 3 دراجات نارية من المستودع البلدي واسترجاع اثنتين منها. وقام محتجون بإشعال عجلات مطاطية وغلق مداخل المدينة وتواصلت المواجهات بين الأمن والمحتجين الذين حاولوا تفريقهم بالغاز المسيل للدموع. وتمركزت وحدات الجيش أمام "المغازة العامة" في ولاية قبلي، مطلقة الرصاص المطاطي في الهواء لتفريق المحتجين الذين حاولوا اقتحامها وسرقتها.

التظاهرات الليلية ومحاولات السطو على بعض الممتلكات الخاصة والعامة مثل؛ الفروع البنكية والمغازات والقباضات المالية وإغلاق الطرقات بإشعال العجلات المطاطية، سيناريو تكرر في أكثر من جهة مثل؛ بنزرت ومنوبة وبن عروس وسيدي بوزيد والقيروان وقفصة وصفاقس وسليانة ومدن تونسية عديدة، ما طرح أسئلة عمّن يقف وراء أعمال التخريب والسرقة والنهب التي تترافق مع احتجاجات الشباب السلمية على ميزانية 2018 وغلاء الأسعار والمطالبة بإيقاف العمل بها.

ووجّه رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، أصابع الاتهام مباشرة إلى "الجبهة الشعبية" التي "صوّت نوابها في البرلمان على قانون الترفيع في القيمة المضافة وخرجوا يتظاهرون ضده"، على حد تعبيره، مؤكداً أنّ الإجراءات التي اتخذت، وإن كانت قاسية، فإنها لصالح الاقتصاد التونسي.

حرق مقر الجبهة الشعبية

وربط القيادي في "الجبهة الشعبية" والنائب بمجلس النواب، الجيلاني الهمامي، ما جرى فجر الجمعة من حرق لمقر الجبهة بمدينة العروسة من ولاية سليانة، بتصريحات الحكومة قبل أيام على لسان رئيسها الشاهد؛ حيث اعتبرها "حملة تحريض" ضد الجبهة.

وفي هذا السياق، أذنت رئاسة الحكومة لوزارة الداخلية أمس بفتح تحقيق فوري في حادثة حرق مقر الجبهة الشعبية.

"من يقوم بنصف ثورة كمن يحفر قبره بيده"

ما ينطبق على تونس، برأي الباحث والمحلل السياسي نبيل نائلي، يتجلّى بقول مأثور منسوب للثائر والزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" "إنّ من يقوم بنصف ثورة كمن يحفر قبره بيده!"، وهذا ما ينطبق، وفقه، على تونس التي انتفضت ضد الدكتاتورية والفساد والظلم والبطالة، ثم جاءت بمن هم "أتعس بكثير من رموز النظام السابق ووجوه جديدة "ثورية" أعطت وعوداً خلال "حمّاها الثورية" واستقطابها الشعبي وحملاتها الانتخابية، ثم ما لبثت أن تنكّرت لها تحت عناوين مختلفة منها؛ الواقعية السياسية، والفرق بين الثورة والسلطة، ثم جيء برموز همهم المصادرة على مطلوب الثورة".

مجرّد تغيير الوجوه بنفس السياسات لا يصنع غداً ولا مستقبلاً ولا يحل المشاكل العالقة

وتابع النائلي حديثه لـ"حفريات": لا يستغربنّ أحدّ إلا ناكر أو جاحد ما نحن عليه الآن، فقد دُقّ ناقوس أو دُقّت نواقيس الخطر منذ السفر الأول لهذا الحراك، ثم كابر بعضهم أو تجاهل أو مضى بنفس الخيارات والسياسات والمناهج بأسماء وعناوين مختلفة منها هذا "النفاق الوطني"؛ بل اعتبر النائلي أنّ من الغباء أن "نقوم بتكرار نفس الشيء ونتبع نفس الخطوات ثم ننتظر نتائج مختلفة"!

مجرّد تغيير الوجوه بنفس السياسات لا يصنع غداً ولا مستقبلاً ولا يحل المشاكل العالقة، وفق النائلي، الذي ينوّه إلى "تراجع تونس على المستويات جميعها وأرقام التقارير المحايدة لا تكذب!"، مشدداً على أنّ "من يصمّ أذنيه عن الشارع الهادر سيستفيق مؤكَّداً على كوابيس الاحتجاجات، ولن يشفع مجرد التخفّي وراء فزاعة الأمن الوطني أو الوحدة الوطنية أو نعت من طالبوا بالمنكوث من العهود بالوفاء بها لا المضيّ في تعامٍ وإنكار في اتباع سياسات يمليها صندوق النقد الدولي ووجوه هي عناوين الفشل!"

بن سلامة: ننتظر دولة القانون حقيقة

وفي محاولتها تشخيص ما يحدث كتبت الباحثة التونسية رجاء بن سلامة عبر صفحتها على "فيسبوك" تحت عنوان "عودة أساليب المنظومة القديمة من أسباب الأزمة": "رغم أنّ جهود الحكومة في مقاومة الفساد واضحة، فإنّ أساليب المنظومة القديمة تعود، وهي جزء من الأزمة، إلاّ عند يتامى بن علي، الذين يبشّروننا، كالأصوليّين، بحلّ آت من الماضي: تفضيل الولاء على الكفاءة، والبحث عن الأتباع والمتملّقين، وإنتاج الدّعاية بدل الفعل الحقيقيّ، والتّآمر على من يخدم الدّولة بصدق، واستخدام الأبواق للتّشويه، وتكريس الإفلات من العقاب للفاسدين الحقيقيّين".

وقالت مجيبة عن سؤال "ماذا تنتظرون؟"، الذي اتخذته الاحتجاجات شعاراً لها، "ننتظر أوّلاً دولة القانون حقيقة. ودولة القانون شعاراً يسري على الجميع، بمن فيهم المحتجّون: لتكن الحرب على الفساد وأذرعه شاملة، ولتكن المظاهرات منظّمة، ولتحصل على تأشيرة، ولتكن شعاراتها مطالبة بالعدالة، وليكن أمننا جمهوريّاً محترِماً للقانون. وشكراً لحملة السّلاح الذين يعملون ليلاً نهاراً على حماية هذه الدّولة وعلى حمايتنا، وشكراً لهم على ضبط النّفس وعدم انجرارهم إلى العنف".

"ما تخرّبش بلادك..تونس محتاجتلك"

وكان الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، خليفة الشيباني، اعتبر في تصريح أول من أمس إنّ أعمال الحرق والنهب طالت مناطق في 11 ولاية، أسفرت عن إيقاف 237 شخصاً، مؤكداً بأنّ هذه الأعمال قد ارتكبتها "مجموعات لا علاقة لها بالاحتجاجات" ضد قانون المالية الجديد وغلاء الأسعار.

وأطلقت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية هاشتاغ "ما تخرّبش بلادك.. تونس محتاجتلك"، داعية إلى التريث وعدم التخريب والتظاهر السلمي دون المساس بالممتلكات العامة والخاصة.

وأصدرت حركة "نداء تونس" أول من أمس بياناً عبّرت فيه عن "تنديدها الشديد بأعمال النهب والتخريب التي مسّت الممتلكات الخاصة والعامة"، و"تبنيها لكل المطالب الشعبية المشروعة من أجل حماية المقدرة الشرائية للتونسيين وتحسين الوضع المعيشي خاصة في المناطق المحرومة".

الاحتجاج والتظاهر السلمي من أهم الحقوق التي يكفلها الدستور والمراهنة على القمع لإسكات الاحتجاجات محكوم عليها مسبقاً بالفشل

ودعت في بيانها إلى "مؤتمر وطني للحوار الاقتصادي والاجتماعي تطرح فيه كل القضايا الاقتصادية والاجتماعية الشائكة على طاولة النقاش بحضور كل القوى السياسية والمدنية والخبراء جميعاً بدون استثناء أو إقصاء".

وفي سياق متصل، أصدرت "حركة النهضة" بياناً دعت فيه إلى ضرورة "التمييز بين شرعية التحرك الاجتماعي، الذي كفله دستور الثورة وتنظمه القوانين، وحق المواطنين في التعبير عن عدم رضاهم على بعض سياسات أو قرارات الحكومة، وبين أعمال الفوضى والتخريب والاعتداء على أملاك التونسيين ونهبها، وتهديد أرواحهم وإرباك حياتهم العادية، وكلها أعمال اختلطت فيها السياسة بالعنف والإجرام".

ووجهت الحركة، في بيانها، إدانة ضمنيّة لما تسميه "بعض الأطراف السياسية" التي تروّج لـ"خطاب سياسويّ وتحريضي، عنيف ودموي ينمّ عن أصل بنيتها الفكرية الفوضوية وما تختزنه من أفكار تدعو إلى تقسيم التونسيين بين حداثي ومعاد للحداثة"، حسب تعبير البيان، الذي يوجّه أصابع الاتهام إلى حزب "الجبهة الشعبية" التي كانت أول الداعين إلى التحرك ضد قانون المالية.

الجبهة الشعبية ألقت باللائمة على الاختيارات اللاشعبية واللاوطنية لتحالف النداء - النهضة

أما "الجبهة الشعبية" فقد ألقت باللائمة على "الاختيارات اللاشعبية واللاوطنية لتحالف "النداء - النهضة"، وجددت "رفضها للزيادات الحالية في الأسعار التي تمثل مقدمة لزيادات أخرى في المستقبل"، مؤكدة "أنّ الاحتجاج والتظاهر السلمي من أهم الحقوق التي يكفلها الدستور، وأنّ المراهنة على القمع لإسكات الاحتجاجات محكوم عليها مسبقاً بالفشل".

وجددت الجبهة، في البيان ذاته، "الدعوة لكل القوى السياسية والاجتماعية وكافة أبناء الشعب التونسي وبناته المتضررين من الإجراءات الحكومية الأخيرة وما سيتبعها من إجراءات أخرى إلى التعبئة، وإلى النضال السلمي المدني من أجل إسقاط هذه الإجراءات وتعليق العمل بها".

الاتحاد العام التونسي للشغل استنكر، في بيان أصدره في 3 كانون الثاني (يناير) 2018، الزيادات التي تضمنها قانون المالية التي يعتبرها "نتيجة حتمية لما كان الاتحاد قد تحفّظ عليه بخصوص الرفع في نسبة الأداء على القيمة المضافة في ميزانية 2018 باعتباره حلّاً سهلاً اختارته الحكومة لسدّ النقص في الميزان العمومي على حساب المستهلكين والأجُراء أساساً".

فرصة ذهبية للجماعات الإرهابية

ويرى مراقبون وناشطون أنّ هذه الاحتجاجات يمكن أن تكون فرصة ذهبية للجماعات الإرهابية للتنقّل وإعادة التمركز، وتحيّن الفرص الملائمة للقيام بأعمال إرهابية، مستغلة في ذلك تشتت جهود الوحدات الأمنية والعسكرية التي تحاول الحد من التوتر الذي تشهده البلاد بحماية المنشآت والمقرات السيادية والممتلكات العامة والخاصة. وثمة اعتقاد بأنّ هذه الاحتجاجات إنما هي نتيجة حتمية لفشل "النخب السياسية" في إيجاد حلول ملائمة للشباب العاطل والمهمش الذي ثار ضد نظام بن علي في 2010 انطلاقاً من سيدي بوزيد وأطاح بواحد من أعتى الأنظمة الدكتاتورية في العصر الحديث، غير أنّ النتيجة كانت مخيبة للآمال بما أن نسب البطالة والفقر والتهميش تفاقمت أكثر رغم مجهودات الحكومة في مقاومة الفساد والحد من التهريب وطرق الكسب غير المشروع.

ففي تدوينة جريئة تلامس جرح التونسيين، كتب الباحث التونسي محمد السويلمي، عبر صفحته على "فيسبوك"، تحت عنوان "سوياً في قلب المحرقة: نحن مستعدون ولكن بشرط..": "بوصفي مواطناً بسيطاً ومقهوراً ومُترعاً بالألم، أقترح هذه المبادرة على النخب السياسيّة من الرئيس إلى أدنى حزبيّ: أنا مستعدّ للتضحية وشدّ الأحزمة والعيش على "الخبز والماء" والتنازل عن استحقاقاتي المادّيّة. ولكن بشرط: أن نتقاسم جميعاً أعباء الكارثة الوطنيّة، أن تشاركني وداد بوشمّاوي هذه التضحيات ورضا شرف الدين ومحمّد فريخة والفنّانون والرياضيّون ورجال الأعمال وأصحاب المؤسّسات والمحامون والأطبّاء والتجّار والفلّاحون والنخب السياسيّة والتكنوقراط".

وأضاف السويلمي: "مستعدّ لدفع 10% من أجرتي الشهريّة إذا التزموا بدفع نفس النسبة من مداخيلهم. يطاردني سؤال حارق: هل من المعقول أن يتحمّل المقهورون وحدهم أعباء الكوارث السياسيّة القديمة والجديدة؟ إذا كنّا جميعاً شركاء في هذا الوطن فعلينا أن نتقاسم الغنائم والكوارث معاً. فكيف يكون المقهورون وحدهم وقود هذه المحرقة الوطنيّة؟ أنا لا أحمّل الدولة مسؤوليّة هذه الكارثة الوطنيّة؛ لأنّه ليس لدينا مؤسّسات حقيقيّة، لا أحمّل الحكومة المسؤوليّة فهي مجرّد أدوات لتنفيذ سياسة اختارها الفاعلون السياسيّون وشرعنوها وأكسبوها الصلاحيّة القانونيّة".

وتساءل الباحث التونسي: "كيف لندائيّ أو نهضويّ أن يتذمّر من الأسعار والخدمات ووزراؤه ونوّابه هم من قرّروا ونفّذوا؟ هل على القطعان الحزبيّة أن تحتجّ على الحكومة وتتذمّر وتثرثر في المقاهي ونخبهم وقياداتهم السياسيّة هم صنّاع القرار؟ كيف للنخب البرلمانيّة أن تعبّر عن تضامنها وتفهّمها وتعاطفها وتوجّه الانتقادات للسياسة الحكوميّة وهي مَنْ صوّت على كلّ هذه الإجراءات وقادتها هم مَنْ زكّوا في الكواليس كلّ ما نعيشه؟".

وختم السويلمي تعليقه: "هذا نفاق النخبة والقطيع في صورته الأيديولوجيّة الفاضحة. على النخبة أن تعترف بمسؤوليّتها وألّا تهرع إلى الغنائم وتتبرّأ من الكوارث، وعلى القطعان الحزبيّة أن تواجه قادتها أو فلتصمتْ. نحن مستعدون لتقاسم الأعباء ولكن سويّاً في نفس التضحيّات والفاتورات.. سويّاً في نفس المحرقة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: