"الأذان الموحد": قليل من العذوبة لمواجهة عنف الأصوات الخشنة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري

1588
عدد القراءات

2018-01-07

"الإزعاج الحاصل من أصوات المؤذنين المزعجة لا يمثل الإسلام"، أثار ذلك التصريح، الذي قالته الفنانة المصرية شيرين رضا، عبر إحدى القنوات الفضائية، ردود فعل عنيفة ومختلفة؛ بدأت على منصات التواصل الإجتماعي، ولم تنتهِ لدى قطاعات عديدة من المجتمع، وبعض الشيوخ والتيارات السلفية، التي تحفزت ضدها.

طال الممثلة هجوم واسع مليء بالتلفيق والالتواء؛ حيث فُهم حديث الفنانة، باعتباره "إدانة للدين وطعناً في الإسلام ذاته"، بالرغم من كونها حصرت الأمر، فقط، في "سلوك وأداء المؤذنين"، الذين يتطفلون على دور "لا يحسنونه"، وتُصدر أصواتهم "ضجيجاً"، لا ينسجم مع الدعوة للصلاة باللين والحسنى والرحمة.

 الفنانة المصرية شيرين رضا

هجمة ضد شيرين رضا

حديث شيرين رضا، الذي جرى التنكيل بصاحبته وتعريضها للشتائم المتواصلة، على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، جاء في مضمون مغاير؛ إذ كانت تتساءل: "عن أسباب عدم تنفيذ، مشروع الأذان الموحد؟"، الذي أعدّته وزارة الأوقاف، قبل أعوام، حتى يحمي الدين بأصوات عذبة، تحصد المحبة والسكينة، بدلاً من، الصخب وعنف الأصوات الخشنة.

ما قاله غضب "رضا"، لا يخفى على أحد، لكن، يضمرونه داخلهم؛ خوفاً وقهراً، ويضجرون من الفوضوية والعشوائية، المتسببة في استمرار ظاهرة أصوات المؤذنين، التي تصدح بحشرجات مؤذية، تلك الفوضى، التي تكفل لأي فرد، اعتلاء المنبر وإقامة الصلاة، بطريقته، وبدون مهارة، فضلاً عن تداخل الأصوات من عدة مكبرات صوت في وقت واحد، مما يؤدي إلى صدور عدة أصوات، غير مفهومة، مرتبكة، تصنع مزيجاً من الملل والنفور.

التدين العفوي الهادئ

لم يعد يألف المصريون، والمسلمون، على وجه التحديد، التدين العفوي الهادئ الوقور، الذي يتفادى العصبية والصراخ والتشنجات؛ فنسوا، أو بالأحرى، انمحت من ذاكرتهم، عن عمد، تلك المحاولات التي صنعت جماليات إيمانية، حالت دون تسلل العقل الأصولي، والفكر المتشدد والمنغلق؛ حيث صهرت الدين في طاقة الفرد الإبداعية، فسجلت الذاكرة الفنية أصوات فنانين مصريين وعرب، ساهموا في تلاوة القرآن، وترديد الأذان، بحسٍّ فني وجمالي مؤثر، مثل الفنان المسرحي سلامة حجازي، والمطرب محمد عبد المطلب، ومحمد عبد الوهاب، وسيد مكاوي، والفنان السوري صباح فخري، والأخير، كان مؤذناً لجامع الروضة في حلب بسوريا.

العديد من هؤلاء المطربين والمنشدين جمعوا بين الفن ومهمة "المؤذن"، خاصة، في شهر رمضان، دون اعتراض من أحد، أو إشارة لوجود تعارض بين الفن والوظيفة الدينية، أو اعتبار الأمر مشتملاً على مخالفة شرعية.

تعددت الاعتراضات على المنابر الدينية ضد "الأذان الموحد" باعتباره تعدياً على ثوابت الدين وأصوله

تعود أزمة توحيد الأذان إلى عام 2004، عندما كان وزير الأوقاف محمود زقزوق، الذي أعد مشروع قانون، لمواجهة الأصوات النشاز الخشنة والمزعجة، وضبط المواعيد المتفاوتة، التي يتردد فيها الأذان بين كل مسجد وآخر، والتحكم في مكبرات الصوت، التي تعتلي الزوايا والمساجد، وتلك الأصوات المنفرة التي تصدر عنها.

وقد صدر أول قانون عام 2007، وشرعت وزارة الأوقاف في تنفيذه، للمرة الأولى، عام 2009. وتكررت المحاولة، عام 2010، لكن، في المرتين، تعطل تنفيذه بشكل جاد، وقوبل بالرفض.

ربط المساجد بدائرة إذاعية داخلية

والفكرة تعتمد في أساسها، على ربط المساجد بدائرة إذاعية داخلية، عبر صوت مؤذن واحد، على مستوى كل المحافظة؛ حيث يكون هذا الصوت جهوراً، يظهر من خلال سماعات داخلية، بكل مسجد، وذلك بهدف الحد من تهافت الأصوات المنفرة، وعدم التمسك بمكبرات الصوت، التي تتسبب في الإزعاج، والشعور بالضوضاء والفوضى.

تعددت الاعتراضات، ومن ثم الملاسنات على المنابر الدينية الرافضة لذلك، لاعتباره تعدياً على ثوابت الدين وأصوله؛ كما شنّ مشايخ التيار السلفي، هجوماً واسعاً وتشنيعاً، على الوزير ومؤيدي القرار؛ حيث قامت لجنة الشؤون الدينية، بمجلس الشعب المصري، برفض قرار وزير الأوقاف، عدة مرات، بتوحيد الأذان في المساجد، فيما اعتبروا "توحيد الأذان عبر إذاعته بصوت حي لأفضل الأصوات المختارة يعطل شعيرة من شعائر الله حث الرسول على التسابق لأدائها".

لم يعد يألف المصريون والمسلمون على وجه التحديد التدين العفوي الهادئ الوقور الذي يتفادى العصبية والصراخ والتشنجات

كما حرض الشيخ السلفي، مصطفى العدوي، عبر إحدى القنوات السلفية، في رد على تساؤل أحد المشاهدين له، في قضية توحيد الأذان، برفضه وعدم الالتزام به، لأنه "مخالف لسنة النبي"، بحسب تعبيره، ومن ثم، طالبه بالصلاة، في المسجد الخاص به، لكن، يقوم بنفسه برفع الأذان وإقامة الصلاة.

 

 

 

 

 

آلاف المساجد العشوائية

جانب من تلك الأزمة، تفصح عن تصدع مجتمعي غير متماسك، وتكشف عن خلل معقد ومتراكم، عبر عقود، في بنية التفكير وسيطرة الفكر السلفي والأصولي؛ حيث تحول الدين إلى مجرد أداة وظيفية ونفعية، وعبارة عن وجاهة اجتماعية، يتم الاحتماء داخلها بصورة مشوهة، وهو ما يتبدى في آلاف المساجد والزوايا، التي يجري بناؤها، بعشوائية، وبالمخالفة للقانون، بينما تخرج عن رقابة المؤسسات الدينية وسيطرتها، فضلاً عن، متابعة الخطاب الديني، الذي تتبنّاه وتروّج له، في ظاهرة عرفتها مصر، منذ سبعينيات القرن الماضي؛ حيث يتم تشييد مسجد أو زاوية، أسفل كل عمارة، بغية إعفاء صاحبها من دفع الضرائب، أو حماية عقاره من الإزالة، إذا كان مخالفاً؛ إذ يستحيل هدم بيت من "بيوت الله"!

وانبثق، تبعاً لتلك العشوائية، وجود أكثر من 88 ألف مسجد حكومي، تديرها وزارة الأوقاف، ونحو 24 ألف مسجد صغير، تشرف عليها الوزارة دعوياً، فضلاً عن المساجد الأهلية والتابعة للجمعيات الدينية، بينما تملك جمعية أنصار السنة المحمدية، وحدها، أكثر من 1750 مسجداً، تعتمد في تمويلها على الأوقاف الخاصة، لأنصار السنة، وذلك بحسب الإحصاءات الرسمية، الصادرة عن وزارة الأوقاف.

وفي المقابل، تحصد مساجد الأوقاف، على مستوى الجمهورية، والبالغ عددها 130 ألف، نفس العدد، تقريباً، من العاملين في مهنة "المؤذن"، والذين يشكلون كتلة صلبة تقف ضد القرار، الذي سينهي عملها، بطبيعة الحال.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: