إخوان بريطانيا: إمبراطورية الظل

صورة عاصف الخالدي
كاتب أردني

52
عدد القراءات

2018-04-10

منذ التأسيس، ظلت جماعة الإخوان المسلمين محل جدلٍ كبير، بدايةً باللحظة التي ظهرت فيها إلى العلن وحتى اليوم، وهي تملك تنظيماً دولياً، يستمد وجوده من ولائه لقيادات الجماعة أينما حل، ويعمل بسريّة تحت الأرض أحياناً، بينما يحاول صقل صورته الخارجية، عن طريق مؤسساتٍ وجمعياتٍ ذات طابع ديني في المجتمع.

ويكثر الحديث، عن الجماعة وعلاقتها ببريطانيا تحديداً، التي كانت ذات يومٍ إمبراطوريةً لا تغيب عنها الشمس، من مصلحتها عقد التحالفاتِ مع الدول والجماعات آنذاك، من أجل الحفاظ على مصالحها الاستعمارية، من باب أنّ الوحش الذي تخلقه، أفضل من الذي يأتي من حيث لا تدري.

كتاب روبرت درايفوس "لعبة الشيطان"، يركز الكاتب في فصلٍ كامل، على علاقةِ جماعة الإخوان بإنجلترا

البدايات

"تأسست جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا بمنحةٍ من شركة السويس البريطانية". هذه الجملة، مأخوذة عن كتاب روبرت درايفوس "لعبة الشيطان"؛ حيث يركز الكاتب في فصلٍ كامل، على علاقةِ جماعة الإخوان بإنجلترا.

ويضيف في الكتاب، الصادر عن مركز دراسات الإسلام والغرب العام 2010، أنّ "الحركة تمتعت خلال ربع قرنٍ على تأسيسها، بالدعم من رجال المخابرات والدبلوماسيين البريطانيين؛ حيث يعرف البريطانيون قوة التشدد الإسلامي باعتبارهم ظلوا لقرنين، يتغلغلون في السياسات الدينية القبلية".

تأسست جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا بمنحةٍ من شركة السويس البريطانية

من ناحيتها، أطلت مجلة "المجلة" بتقرير مطول نشر بتاريخ  27 نيسان (إبريل) 2014، حول بدايات جماعة الإخوان، وما آلت إليه اليوم في داخل بريطانيا نفسها، قائلةً:

"ﺧﺮﺝ ﻛﻴﻦ ﻟﻔﻨﺠﺴﺘﻮﻥ عمدة لندن العام 2008، ﻣﻦ ﻣﻜﺘﺒﻪ ﻟﻴﻘﻒ ﺃﻣﺎﻡ ﻋﺸﺮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺤﻔﻴﻴﻦ، ﻭﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺗﺤﺪﺙ ﻣﻌﻬﻢ ﻋﻦ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺸــﺆﻭﻥ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻌﺎﺻﻤﺔ ﻟﻨﺪﻥ ﺳﺄﻟﻪ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﺼﺤﻔﻴﻴﻦ ﻋﻦ ﺧﻄﺮ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻷﺻﻮﻟﻴﺔ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻬـﻢ ﻣﻄﻤﺌﻨﺎً: ﺟﻤﺎﻋﺔ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ ﻛﺒﺮﻯ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺮﻛﺎﺕ ﺗﺮﺑﻄﻨﺎ ﺑﻬﺎ ﻋﻼﻗﺔ ﺟﻴﺪﺓ، ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻠﻘﻰ ﺗﻤﻮيلاً ﻣﺎدياً ﻣــﻦ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺔ ﻣﻨﺬ ﻧﺸﺄﺗﻬﺎ".

الجماعة انتقل أعضاء وقيادات فيها إلى أوروبا منذ نهاية خمسينياتِ القرن الماضي، من أبرزهم سعيد رمضان، الذي "أسس المركز الإسلامي في جنيف العام 1961، ليكون مقر قيادةٍ دولي لجماعة الإخوان في أوروبا" وفق كتاب "التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين" المنشور عن المركز القومي للترجمة العام 2014.

بحسب كورتيس كانت سويسرا تدعم عملاء لبريطانيا مثل رمضان يحملون آراء معادية للشيوعية

ويضيف مؤلف الكتاب مارك كورتيس: "بعد ذلك، سوف ينتقل الآلاف من جماعة الإخوان إلى أوروبا، لينشئوا شبكات علاقات ومنظماتٍ إسلامية في ألمانيا الغربية ودولٍ أخرى". وكانت بعض الدول، بحسب كورتيس، ومنها سويسرا، "تدعم أشخاصاً عملاء لبريطانيا مثل؛ رمضان، الذي كان يحمل آراء معادية للشيوعية".

جماعة الإخوان، بقيت في بريطانيا، متخذة البلد ملاذاً آمناً، حتى أنّها وصلت العام 1997، لتؤسس منظمتها الأكبر هناك "الرابطة الإسلامية"، التي أسسها المصري كمال الهلباوي، الأمين العام السابق للتنظيم الدولي للجماعة. وتملك 11 فرعاً اليوم في بريطانيا.

لكن خيوط علاقة الجماعة ببريطانيا، ربما تتكشف أكثر فأكثر، خلال الوقت الحاضر؛ حيث للإخوان وتنظيمهم الدولي، مؤسساتٌ ونشاطات مختلفةٌ في بريطانيا، وتحيطهم الشبهات حول علاقاتٍ محتملة مع دولةِ قطر، ومع الجماعات المتشددة في العالم العربي، إضافةً إلى التشدد في أوروبا نفسها.

 

 

عاصمة الإخوان

بعد اعتبارها مثالاً للإسلام المعتدل، بسبب ما تبع تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا من ظهورٍ للتنظيمات المتشددة كتنظيم القاعدة الإرهابي. تمكن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، من إنشاء جمعياتٍ ومؤسساتٍ مختلفة في بريطانيا.

وفي هذا السياق، قال الخبير في شؤون الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي منير أديب "لندن تمثل عاصمة ثانية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ فكما تمثل القاهرة بلد المنشأ للتنظيم، فإنّ بريطانيا تمثل الحماية والبديل لهذا التنظيم إذا ما تعرضت الجماعة للضغوط، وهو نفس الدور الذي قام به مكتب لندن في السبعينيات من القرن الماضي عندما أقام قادة الجماعة في بريطانيا مختبئين"

تتحكم جماعة الإخوان بـ13 مؤسسة خيرية ومالية كبرى ببريطانيا يستثمرون فيها الأموال بقطاعات مختلفة

وأضاف أديب، لـ "حفريات": حديث الإخوان عن عدم وجود تنظيم دولي "أكذوبة وحيلة للهروب من الالتزامات والقوانين الدولية التي تفرض مزيداً من الرقابة والمواجهة. دور بريطانيا واضح في توظيف الجماعة كعصا "تأديب" تخدم مصالحها في الشرق الأوسط".

وربما يبدو مثيراً للانتباه، هذا التمدد الإخواني في بريطانيا تحديداً، وكما جاء ضمن تقريرٍ لموقع البوابة بتاريخ 23 آذار (مارس) 2017، فإنّ عدد هذه المؤسسات، تجاوز 39 مؤسسة، منها: "منتدى الشباب المسلم في أوروبا الذي كان يرأسه القيادي الإخواني إبراهيم الزيات قبل أن يستقيل منه، وهو شبكة تتألف من 42 منظمة تجمع الشباب من أكثر من 26 بلداً، كما له صلات وعلاقات مع البرلمان الأوروبي".

أديب: نفي الإخوان وجود تنظيم دولي أكذوبة وحيلة للهروب من الالتزامات والقوانين الدولية الرقابية

وتتحكم جماعة الإخوان أيضاً بـ13 مؤسسة خيرية ومالية كبرى ببريطانيا، يستثمرون فيها الأموال في قطاعات مختلفة، مثل تجارة التجزئة والقطاع المالي والملابس. كما يوجد بها "المنظمة الإسلامية للإغاثة" التي رأسها عصام الحداد ابتداء من العام 1992 حتى تولى منصبه مستشاراً للرئيس الإخواني السابق محمد مرسي".

وكذلك، مراكز أبحاث ومنظمات إعلامية وغيرها، ذكر تقرير "المجلة" منها: "مؤسسة قرطبة للحوار العربى الأوروبي، ويديرها الإخواني أنس التكريتي وهو عضوٌ بمجلس شورى الرابطة الإسلامية في بريطانيا، كواحدة من أهم المؤسسات الإخوانية في بريطانيا، ومسؤول في قناة الحوار التابعة للإخوان". أما مكتب الجماعة في لندن، فيديره المصري إبراهيم منير، أحد قياداتها، الذي يشترك مع العديد من القيادات في أوروبا بهروبه من بلاده، بعد تهم بزعزعة الأمن فيها.

تاريخ مريب

وتوجد مؤسساتٌ أخرى للإخوان، تشبه في حالها إمبراطورية في الظل، تضم قياداتٍ هاربين، وآخرين لهم علاقاتٌ مشبوهة في عقد التحالفات، منهم من أشيع عن علاقاتهم مع قطر التي تدعمهم مادياً، وتحافظ على كيانهم في بريطانيا، مقابل بقائهم يداً لدولة قطر في أوروبا، وبحسب تقريرٍ لموقع "مبتدأ" بتاريخ 23 كانون الثاني (يناير) 2018 "يتولى إبراهيم منير التنسيق مع القطريين، كما أن قطر تمول مؤسساتٍ أخرى كمؤسسة قرطبة وقناة الحوار وشركاتٍ إعلامية مثل كومينيكيشن ليميتد".

ولعلّ أفضل مثالٍ، ربما يقود إلى الدعم القطري للإخوان كأداة بيد قطر، هو ما نقله موقع الشرق بتاريخ 13 حزيران (يونيو) 2017، بقوله "توافق أكثر من 40 شخصية بريطانية ممثلين لمؤسسات المجتمع الإسلامي والمدني، على تأييد الموقف القطري من الحصار الذي تفرضه بعض الدول الخليجية"، منهم الشخصيات التي ذكرت في هذا التقرير.

يسيطر الإخوان المسلمون في بريطانيا على أكثر من 39 مؤسسة إعلامية وسياسية وتعليمية

وكانت جماعة الإخوان، تعرضت من العام 2011، إلى أكثر من حملة حكومية وغير حكومية في بريطانيا، لدراسة وضعها، وتحديد ما إذا كانت تشكل خطراً على الدولة والمجتمع هناك، غير أن سماح الحكومة البريطانية العام 2013، لبعض قيادات الإخوان الهاربين من مصر بعد سقوط النظام الإخواني، باللجوء إلى أراضيها، ما يزال يضع الجماعة وأنشطتها محل تساؤل، كما يضع علامات استفهامٍ على علاقتها ببريطانيا، ودولة قطر، وحجم الاستثمارات القطرية الذي يفوق 50 مليار دولار في بريطانيا بحسب مصادر رسمية مختلفة.

يبقى الباب مفتوحاً، لمراجعة تاريخ الجماعة، التي تدخلت في "الربيع العربي" من بوابته الكبيرة في مصر، ثم غادروها إلى دولة قطر، وإلى تركيا وبريطانيا. وللتساؤل حول طبيعة هذا التدخل، بالنظر إلى التاريخ المريب للجماعة، ولعلاقاتها مع دولٍ مثل بريطانيا.

اقرأ المزيد...

الوسوم: