موعد مع صقر النظام الإخواني الخاص

الاثنين 16 أبريل 2018

كاد سهم الإحباط أن ينال مني عندما أجابني رجل ستّيني كان مسؤولاً عن المبيعات في دار نشر "الزهراء للإعلام العربي"، بأنّ الكتاب الذي طلبته قد نفد، ولم تعد هناك بقية من نسخ لدى المكتبات الأخرى.

إذا كان كتاب "النقط فوق الحروف.. الإخوان المسلمون والنظام الخاص" لأحمد عادل كمال، قد نفد لدى دار النشر المسؤولة عن طبعه، والمملوكة لمؤرخ الإخوان، أحمد رائف، صاحب "البوابة السوداء" فإنّ ذلك يعني أنّني سأصبح كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، فضلاً عن أنّني كنت قد اقتنصت من "كمال" فرصة الموافقة على إجراء حوار مطوّل معه، لم يمنحها لغيري، فكيف يتّأتى لي ذلك، وكتابه المهم لم يقع في يدي بعد.. كان ذلك في العام 2007، ولم يكن الكتاب متوفراً على شبكة الإنترنت.

هممتُ بالرحيل خالي الوفاض، غير أنّ الرجل ألقى لي بحبل قبل لحظة الغرق؛ إذ قال فجأة: انتظر هناك نسخة في الداخل لكنها قديمة نوعاً ما، فهل توافق على أن تبتاعها؟ فأجبته على الفور بنعم.. انصرف بضع لحظات ثم أتى بصيدي الثمين.

لم يكن هناك شيء يزعج كمال أكثر من تعريجنا على حادثة اغتيال القاضي (الخازندار) وتوقفي عندها مرات عديدة

لم تكن مجرد نسخة عادية؛ بل كانت نسخة تاريخية نادرة؛ إذ  سقطت عيناي على صور فوتوغرافية يملكها المؤلف كان ينوي أن يزود بها الطبعة الثالثة، إضافة إلى وريقات كتبت بخط يده، فضلاً عن ملاحظات مهمة على الكتاب، وتعديلات جوهرية وأخرى ثانوية.

فزع الناشر أحمد رائف، عندما رويتُ له الواقعة بعد أن مرت بأكثر من عام، وهدّد بفصل الموظف الذي أخطأ ببيع نسخة لم تكن معدّة للبيع، لكني وعدته بإرجاعها، بعد أن وخزني الضمير، وعندما ذهبت بها إليه في منزله، أخبرتني الخادمة بأنّه في المشفى، وبعدها بعدة أيام جاءتني رسالة من هاتفه فتحتها على الفور وردّدتُ: إن لله وإنا إليه راجعون.. رحم الله أحمد رائف.. كانت الرسالة تنعيه من هاتفه.

برابطة عنق وهندام أنيق استقبلني الرجل الذي كان قد اقترب من الثمانين، وبعد الترحاب، أشار  بيده إلى ساعته الأصيلة: تأخرت ربع ساعة يا أستاذ؟ أجبته بضحكة عالية ثم قلت: لم تعد القاهرة كما كانت يا عمّنا فإما أن آتيك مبكراً أو متأخراً. أومأ برأسه: فعلاً لم تعد كما كانت. لا يشبه الإخوان الحاليون في سمتهم ولزماتهم، بدا أفندياً في أربعينيات القرن الماضي.

لم يكن هناك شيء يزعج "كمال"، أكثر من تعريجنا على حادثة اغتيال القاضي (الخازندار)، وتوقفي عندها مرات عديدة، شعرت بحالة من الأسى تنتاب الرجل حتى ألقى على مسمعي بسؤال غريب: هل تعرف نجل أحمد بك الخازندار فأجبته بلا..."لقد كتب منذ مدة في جريدة الأهرام، مقالاً طالب فيه بإعادة فتح قضية والده" هكذا أردف الرجل.

لم أفهم ما يدور بخلد "كمال" حتى تنهّد ثم قال: حاولت الوصول لأسرته حتى أعرض دفع الدية، مع أنّ عدداً من العلماء قال لي إنّ الدية تقع على العاقلة وهي الدولة في حالتنا هذه، فقلت: ولماذا تدفع الدية أنت؟

صمت الرجل لبرهة ثم استطرد: هناك سر لا يعرفه أحد ولم أكتبه في كتابي، عندما اتخذ قرار باغتيال القاضي، ظلّ النظام الخاص فترة لا يستطيع الوصول إلى منزله، إلا أنّني كنت قد توصلت لعنوانه بالصدفة المحضة.

كان "كمال" يعمل محاسباً في البنك الأهلي، ولم يمضِ على انتقال القاضي من الاسكندرية إلى القاهرة مدة طويلة، فعندما بحث عناصر النظام الخاص على عنوانه من دليل الهواتف، لم يجدوا اسمه مدوناً بها، فتعطل التنفيذ، إلا أن شاءت الأقدار أن يطلب القاضي فتح حساب له في البنك الأهلي، فعندما صاح أحد الموظفين يطلب من زميله بفتح حساب لأحمد بك التقطت أذن "كمال" اسم الرجل، فاقتنص عنوانه، وطار به إلى أقرانه في النظام الخاص، وتم تنفيذ العملية؛ إذن مذكرات كمال لم تصب الحقيقة كاملة.

تاريخياً، كثيراً ما يحمل الرجل الثاني مسؤولية الأخطاء والخطايا التي ارتكبها الرجل الأول، حتى يظل الزعيم أيقونة منزهة وملهمة للأتباع والمولعين، ففي التجارب القريبة، اعتبر الناصريون المشير عبدالحكيم عامر، وزير الحربية في العام 1967، مسؤولاً عن هزيمة حزيران (يونيو)، وكالوا له التهم، وبقي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مبرءاً.

تاريخياً كثيراً ما يحمل الرجل الثاني مسؤولية الأخطاء التي ارتكبها الرجل الأول، ليظل الزعيم أيقونة ملهمة للأتباع والمولعين

كان المثال المشابه في جماعة الإخوان المسلمين -وهي الكيان الخصم للنظام الناصري- هو حسن البنا، المرشد الأول لها، وعبدالرحمن السندي، زعيم النظام الخاص، فحمل مؤرخو الجماعة،"السندي"، جرائم النظام الخاص، وأخرجوا حسن البنا مرشدها منها كما الشعرة من العجين، فقالوا إنّ جميع عمليات الاغتيال التي وقعت كانت بفعل زعيم النظام الخاص، دون إرادة مرشد الجماعة الأول، حتى أنّ الدراما المصرية قد تأثرت بذلك فأظهرت السندي، على أنّه شخص ينزع إلى الشر والعنف وتعتريه الأمراض النفسية.

ولم يتجرأ أحد من الإخوان القدامى أن يأتي على ذكر عبدالرحمن بطيب القول؛ بل اتهموه بالعمالة لعبدالناصر، وبقتل سيد فايز المسؤول الجديد للتنظيم الخاص، ومحاولته تفكيك الجماعة في عهد حسن الهضيبي، وذهابه للتفاهم مع جمال عبدالناصر، الذي لم يعتقله وتركه مقيماً في منزله في حي الدقي "جنوب القاهرة".

وحده أحمد عادل كمال، أحد صقور النظام الخاص، وأحد المقبوض عليهم في قضية السيارة الجيب الشهيرة، هو من خرج ليدافع عن السندي يبرئه؛ بل وليدافع عن النظام الخاص كله، الذي كان يرى أنّ خطأ حسن الهضيبي -المرشد الثاني- هو أنّه قام بتفكيكه، ولولا هذا لما تحولوا إلى لقمة سائغة في فم النظام الناصري، مولع عادل الرجل بالنظام الخاص، وجذوة حبه له لا  تنطفئ.


وسم: