التطرف الفعلي والتطرف النظري.. رأسان لأفعى واحدة

الأحد 15 أبريل 2018

علق بعض الباحثين والمفكرين في العالم بوجه عام، وفي العالم العربي بوجه خاص؛ آمالاً كبيرة على بزوغ فجرٍ جديد في بداية القرن الواحد والعشرين، يخلو من التطرف والعنف والإرهاب، لكن السبل ضاقت أمام تلك الآمال كلّما تقدم العالم نحو الحداثة، ومن الملفت للنظر بأنّ التطرف لم يتوقف فقط على "الفعل" إنما على الفكر والعقيدة والرأي أيضاً؛ أي النظرة الراديكالية إلى العالم. فإنّ استغراق المثقف أو المفكر أو الباحث في نظرة أحادية إلى العالم من حوله هو تطرف نظري، يتسبب في توليد "العنف اللامرئي" أو العنف الرمزي، حسب بيير بورديو، تحيلنا هذه المسألة من التطرف إلى مناقشتها من المدخل الثقافي الاجتماعي لدى الأفراد والنخبة الثقافية وما ينتج عنهما، وارتباطهما في غياب الديمقراطية والحرية المطلقة في التفكير والتعبير داخل المجتمعات المتخلفة، وغياب الحوار الذي يؤدي في النهاية إلى فرض رأي أحد الطرفين وإقصاء الرأي الآخر، كما أنّ الحالة الاقتصادية المتدهورة تلعب دوراً كبيراً في هذه المسألة، كل تلك الأسباب تعيق بالضرورة التحول الديمقراطي الذي يمنح الشعوب حريتها ويحدّ من التطرف بأشكاله المتعددة.

استغراق المثقف في نظرة أحادية إلى العالم من حوله  تطرف نظريّ يتسبب بتوليد العنف اللامرئي أو العنف الرمزي

ارتبط مفهوم التطرف في الذهنية المجتمعية بالتعصب الديني الذي يُنتج العنف الفعلي والإرهاب والقتل، مع العلم بأنّ التطرف الفكري (النظري) لا يقل خطورة عن التطرف الفعلي؛ فقد يتأثر القائمون بالفعل العنفي بالتطرف النظري إما بالدفاع عنه أو بمعارضته بالطريقة ذاتها.

ثمة مفارقة بين التطرف الفكري الذي يتعلق بمفاهيم تولد العنف الحتمي؛ كالاستبداد والعدوانية والتعصب والتشدد والإرهاب والقتل (كالتطرف الديني)، والفكر المتطرف الذي يتسم بالانغلاق والتعميم والنظرة الأحادية أو الشمولية للعالم (الأيديولوجيا).

إذا أخذنا شبكات التواصل الاجتماعي مثالاً، وتحديداً موقع فيسبوك (الذي جاء ليبدد الآمال)؛ حيث تضم هذه الشبكة جميع الشرائح الاجتماعية، المنفتحة منها والمنغلقة؛ فكرياً واجتماعياً، والمعتدلة والمتطرفة والمتشددة، وتضم المثقف والعامل والفلاح والمراهقين والمراهقات من الأفراد، وبالتالي فهي تعكس الفكر والسلوك الاجتماعيين على صعيد الأفراد في المجتمعات ومستوى ثقافتهم/ن، وتعبر أيضاً عن العنف المتجذر في اللاوعي الإنساني الناتج عن الموروث الاجتماعي والديني على حد سواء، فيعمل هذا السلوك على تنمية العنف والتطرف المبكر لدى الشريحة الأصغر سناً في المجتمع.

التطرف السياسي على موقع "فيسبوك": الوضع السوري أنموذجاً

احتلت صفحات موقع الـ "فيسبوك" مؤخراً وضع الغوطة الشرقية في دمشق، وكانت الطامة الكبرى في المنشورات المرعبة التي تبرر العنف لجميع أطراف النزاع، وتنفي الإنسانية عن الإنسان في التجييش والتحريض على القتل، وذلك من معارضين للنظام السوري وموالين له، أما المحتوى الفارغ من الاعتدال والتروي والفهم فحدّث ولا حرج، فهذا لا ينم إلاّ عن قصور في الوعي المعرفي؛ المجتمعي والسياسي معاً، كما ينم عن التزمت بالرأي حيال قضية ما، والمصيبة الأكبر في التعليقات والرد عليها، فلا تحتوي على ما هو أفضل من المنشور، بالإضافة إلى ما يشمل من كلمات نابية لا تقال لإنسان يتمتع بصفات البشر.

ارتبط مفهوم التطرف بالتعصب الديني الذي يُنتج العنف الفعلي والإرهاب مع العلم أنّ التطرف الفكري لا يقل خطورة

إذا نظرنا إلى تلك الإشكالية من الناحية الاجتماعية، نلاحظ أنّ الفكر الجمعي مسيطر على الأفراد في المجتمع، وهو ليس وليد لحظة النزاع فحسب؛ إنما هو تجذر ثقافي يرجع إلى وهم المركزية الذاتية، التي بموجبها تعتبر كل جماعة وكل أمة ثقافتها متفوقةً وذات قيمة معيارية، كالثقافة "الغربية" المقترنة بالمركزية الأوروبية، و"المعجزة الأوروبية" أو الثقافة العربية في البلدان متعددة الثقافات واللغات. وقد لاحظ علي حرب أنّ التطرف في الثقافة والاستبداد بها هو أساس الاستبداد السياسي. التطرف في الرأي يسهم وبشكل كبير في إقصاء الآخر وإلغائه، وبالتالي فهو يهدد تماسك الجسم الاجتماعي ويبدد وحدته، بقدر ما يهدد شخصية الفرد، ذكراً وأنثى، ويزعزع وحدتها، حسب جاد الكريم الجباعي، والتعصب الذي يولد العنف المادي والمعنوي، ليس إلاّ تكريساً للنفور من الآخر المختلف التي تمارسه ثقافة الإقصاء؛ فالسلطة تستبعد المعارض لها وتنكل به وتستهين بكرامة الإنسان، والمعارض يستبعد الموالي للسلطة وينتهك حقوقه الإنسانية بالنبذ والشتم، والرجال يقصون النساء من محافلهم ومن المشاركة في صنع القرار، العلمانيون يقصون الإسلاميين، وهؤلاء يقتلون من يتوهمون أنهم أعداء الله، أفلا تسمى هذه الممارسة بالتطرف والاستبداد؛ الذي دفع الشباب والشابات في البلدان العربية للقيام بثورات لنيل الحرية والديمقراطية، والأهم من ذلك لنيل الكرامة الإنسانية التي هي حقٌ مشروع للإنسان؟ فأين كرامة الإنسان في رفضه ونبذه من قِبل الآخر، وأين الديمقراطية الذي يفصّلها كل تيار على مقاسه، فتضيق على مقاس الطرف الآخر قبل أن تتأسس قواعدها الأولى، هذا الإقصاء المتعمد لا ينعكس إلاّ على الإنسان الذي هو أصل المجتمعات وروحها، والركيزة الأساسية في بنائها وتطورها وتقدمها؟ لا أمل في بناء مجتمعات حديثة ما دام أفرادها ومثقفوها الذين تنتجهم سلطات الاستبداد؛ تعيد إنتاج ثقافةٍ موروثة تعمل على تنمية الحقد والكراهية بما يتنافى مع العدالة الاجتماعية التي تضمن لكل فرد من أفراد المجتمع حقه في العيش وتقرير المصير، في وطن يحتفي بالمواطنة المتساوية وعدم التمييز بين أفراده، يعترف بالآخر على أنّه مختلف ويعترف بحقوقه الإنسانية وحريته في التعبير والمعتقد، عليه من الواجبات اتجاه الدولة والمجتمع بقدر ما له من حقوق، ولا سبيل إلى وعي العالم واستيعابه إن لم يعِ الفرد ذاته ويدركها، وأن يرى العالم بعينين اثنتين، ويسمعه بأذنين اثنتين، فتتشكل صورة الاعتدال مكان صورة التطرف والإقصاء، فيصل الفرد مهما كانت مكانته في المجتمع إلى مقولة "أمارتيا صن": "من الممكن لمحنة الاستبعاد والإقصاء أن تسير جنباً إلى جنب مع هبة التضمين والاحتواء".


وسم: