الإسلام السياسي بين إرث الماضي وإشكالية الحاضر

الخميس 12 أبريل 2018

الواقع هو دوماً تركيبة شديدة التعقيد، تتشابك وتتفاعل مكوناتها المتعددة ويرتبط فيها الحاضر بالماضي والمستقبل، ولذا يجب النظر إلى كل الظواهر الواقعية؛ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية منها وغيرها، في إطار اجتماعي شامل، وتاريخي متواصل، وعدم معالجة أيٍّ منها منفصلة في زمنها الراهن وطبيعتها الخاصة.

وظاهرة على درجة عالية من الخطورة كظاهرة الإسلام السياسي، مع ما بلغته في اللحظة الراهنة من النموّ؛ الكمي والنوعي، وعلى مستويات الحجم والتنظيم والتطرف، لا يمكن اجتزاؤها عن امتدادها التاريخي وواقعها الاجتماعي المرتبط، هو الآخر بدوره، بجذوره التاريخية، ومعالجتها كظاهرة دينية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو ثقافية محضة، فهي تجمع بين كل هذه الوجوه المتداخلة، ولا تنحصر فيها؛ بل تتعداها إلى العديد من سواها.

ظاهرة الإسلام السياسي مع ما بلغته من النموّ كمياً ونوعياً لا يمكن اجتزاؤها عن امتدادها التاريخي

ففي إطارها الاجتماعي، ظاهرة الإسلام السياسي هي نتيجة واقع تتفاعل فيه مكونات اجتماعية ومجتمعية شتّى، منها  ما هو حاضر النشأة، ومنها ما يشكل استمراراً للماضي، ومنها المرتبط بعوامل وفواعل داخلية، ومنها ما هو عائد لتدخلات وتأثيرات خارجية.

وهذا الواقع هو بمجمله واقع متردٍّ على كافة الصعد، فهو في معظم المناطق العربية الإسلامية واقع متخلف اقتصادياً، وتخلفه لا يتمظهر في الفقر وتدنّي مستويات الدخل في معظم تلك المناطق وحدهما؛ بل وفي تردي أساليب الإنتاج بمجملها، وتقوقعها في إطار الإنتاج التقليدي البعيد عن العصرية، الذي تغيب عنه أساليب الصناعة والإدارة الحديثة، التي لا تحدّث وتنمّي وحسب كمّاً ونوعاً الناتج الاقتصادي ودرجة الرفاهية واليسر المعيشي، وما يرتبط بهما من انعكاسات ثقافية وفكرية وسيكولوجية إيجابية؛ بل وتحدث بحد ذاتها أيضاً تغيرات جذرية في طبيعة العلاقات الاجتماعية تحرّرها وتخرجها من أطرها التقليدية المتسمة بالركود، وبسيطرة الثقافة العرفية الموروثة من الأسلاف والتابعة لهم غالبا.

هذا التردي الاقتصادي، المرتبط فعلاً وانفعالاً بكل من الوقائع السياسية والثقافية والدينية المتفاعلة مع بعضهما، والمتردية بدورها، لا يسمح بنمو ثقافة عصرية تعتمد على العقل والعلم، وهذا ما يفعله بدوره أيضاً كل من الجوانب السياسية والثقافية والدينية.

هذه الظاهرة وإن بدا أنّها ترتبط بطبيعة كون الإسلام ديناً ودولة فهي واقعياً لا تجسد هذه المقولة

فسياسياً، النظم الديكتاتورية هي السائدة، إلا في ما ندر عربياً وإسلامياً، وهذه الديكتاتوريات بما تتصف به كالعادة من قمع وفساد، تنعكس بأسوأ الأشكال على كل مكونات الواقع، فتكرِّس تخلف الاقتصاد والاجتماع، ورثاثة الثقافة، وتثبط التطور الفكري والمعرفي والأخلاقي؛ بل وتفعل العكس من ذلك فتزيد من تدهور الفكر والمعرفة والأخلاق، وتتضافر وتتعاضد في هذه الأجواء والمساعي مع القوى الدينية المحافظة، الرجعية بطبيعتها، على تكريس وتضخيم نمط لاعقلاني ولاعصري من الدين، ليصبح بدوره أحد العوامل القوية المانعة أو المعرقلة للتطور الثقافي والعلمي، والقابلة للتسييس المتطرف والاستغلال بأشكال ودرجات متعددة.

وهذا كله سيكون تأثيره بالغ السلبية على الحالة الثقافية، لاسيما إذا كانت هذه الثقافة تتصف بحد ذاتها بحضور ثقيل لموروث تاريخي متخلف، ما يزال يشكل استمراراً لمرحلة الانحطاط الحضاري، الذي تفاقمت درجاته في أواخر الفترة المملوكية، وعلى مدى الفترة العثمانية، والذي أدى إلى تلاشٍ تام للحضور العربي والإسلامي في الميدان الحضاري وتراجع بالغ على هذا الصعيد.

هذا على الصعيد الداخلي، والأنكى منه هو الدور الخارجي، الذي لعبته وماتزال تلعبه القوى الخارجية منذ غزوات التتار والصليبيين، إلى الاحتلال العثماني، ومن ثم إلى الاستعمار الغربي التقليدي، والحديث، الذي ما يزال مستمراً حتى اليوم، وهذه التدخلات كان وما يزال لها الدور الفاصل في سقوط الحضارة العربية القديمة، ومنع قيام الحضارة العربية الحديثة، التي تتناقض مصطلحياً مع هيمنة القوى الإقليمية والعالمية، التي تسعى حفاظاً على مصالحها لتكريس حالة التخلف العربي واستغلال الدين أسوأ استغلال في هذا السياق.

أما في جذرها التاريخي، فظاهرة الإسلام السياسي، وإن بدا نظرياً أنّها ترتبط بطبيعة الإسلام المتمثلة بكونه ديناً ودولة، فهي واقعياً لا تجسد هذه الطبيعة، وإنما تنتج على أساسها نموذجاً مشوهاً يتداخل فيه عاملان أساسيان؛ أولهما هو إسلام مرحلة الانحطاط المملوكية العثمانية، الذي يتصف بهيمنة اللاعقلانية عليه، بخلاف إسلام مرحلة الحضارة الراشدي، الأموي، العباسي الذي تمكن فيه العرب والمسلمون من بناء حضارة عالمية، وموروث مرحلة الانحطاط الإسلامي هذا، وهو الذي ما يزال متواتراً حتى اليوم، يجد نفسه معززاً بالكثير من العوامل الواقعية الراهنة -وهذا هو العامل الثاني- التي تعزز درجة لاعقلانيته، لينتج بشكل عام شكلاً مأزوماً من المجتمعات الإسلامية المعاصرة، التي تشكل أخصب البيئات لنمو التطرف الديني وتسييسه وفق الأجندات المصلحية المختلفة، واستخدامه في محاربة القوى التقدمية، وفي صراعات مدمرة، كثيراً ما يكون المتصارعين فيها منتمين جميعهم إلى هذا الإسلام المتطرف المسيس نفسه.

مواجهة الإسلام السياسي يجب أن تترافق بنشر بديل ديني معقلن ومعصرن وبديل ثقافي عصري

إنّ التسيس الإسلامي، وما يغلب عليه من تطرف عادة، يمكن إحالته إلى: أسباب سيكولوجية، تتمثل بازدياد حالة التدين والتشدد الديني عند الناس عادة في ظروف التردي الاجتماعي، التي يصبح فيها الدين ملجأ ومهرباً من قسوة وإحباطات الواقع. وإلى أسباب معرفية، ترتبط بتدني مستوى العلم والعقلانية، مما يكرس ويعزز الشكل التقليدي الغيبي والتعصبي للدين، الذي يعود بدوره فيحول الدين إلى حارس للجهل، وحاضن للتعصب. وأخيراً أسباب سياسية، وفيها تُستغل النزعة الخلاصية عند المغبونين واقعياً، الشديدي والمتشددي التدين، وفقاً لتردي واقعهم، في نشاط جهادي مسيّس، مدفوع بحلم خلاص آخروي تعويضي يتمثل بنيل الجنة ثواباً على محاربة كفار الواقع، أو بحلم خلاص دنيوي تحققه دولة الإسلام العادلة على أنقاض دولة الكفار الجائرة.

وبذلك فإن مواجهة ظاهرة الإسلام السياسي لا تكون على مستواها البنيوي الخاص باعتبارها حركات دينية مسيَّسة، من خلال النقد والتفنيد، وفضح أجنداتها وحسب؛ بل يجب أن يترافق هذا بنشر بديل ديني معقلن ومعصرن، وبديل ثقافي عصري عام يقوم على الإنسانية والعقلانية والعلم، في إطار إستراتيجية تنموية متكاملة تشمل كافة جوانب المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية وسواها.


وسم: