ما الفرق بين القسوة والتطرف؟

الأحد 18 مارس 2018

إنّ ما يجعل التطرف والكراهية أمراً بالغ الفظاعة، وما هو أكبر من الإيذاء الحسي والمعاناة، هو تجريد الإنسان من آدميته، والتجرد من المعاني الإنسانية، وإذا شعر مرتكب السلوك، حتى لو كان عادلاً أو مبرراً، بالمتعة في الإيذاء، فإنّ سلوكه يعدّ شيئاً بغيضاً، وفي مرتبة الشرور تتفوق السادية وتعلو على غلظة القلب، وتجسّد الدرك الأسفل والأفظع من وحشية الإنسان؛ لذلك فإنّ أكثر ما يقلق في ظاهرة التطرف، سواء كانت جماعاتية أو فردية أو مجتمعية، أنّها تبرّر العنف وتسوّغه؛ بل تجعله عملاً جيداً!

وبالطبع، فإنّ العنف والإرهاب يمثلان أسوأ ما يمكن أن يصل إليه التطرف بالناس والمجتمعات، لكن يجب ألّا تشغلنا الظاهرة في نهايتها ومآلاتها، بقدر ما تشغلنا في منشئها وتفاعلاتها، فأن يغلب الاهتمام بعملية اعتداء إرهابية ضدّ المواطنين والمصالح، على منظومات الخلل في تنظيم العلاقات والمصالح في سياقها الشامل والممتد في المجتمعات والمؤسسات، سيجعل الفرصة كبيرة لتكرار هذه العمليات. وأسوأ من ذلك؛ أن يكون النجاح في المواجهة مع العنف والإرهاب، والخروج على القانون، قائماً فقط على الخوف والقهر، دون إنكار، بطبيعة الحال، لضرورة القوة المادية في حماية الدولة والمجتمعات والأفراد، لكنّها قوة لتعزيز وحماية الثقة وليس لأجل الخوف.

أكثر ما يقلق في ظاهرة التطرف، سواء كانت جماعاتية أو فردية أو مجتمعية، أنّها تبرّر العنف وتسوّغه

يمكن ملاحظة علاقة واضحة بين المشاعر والأفكار والمعتقدات، وبين الخوف الغريزي، ورغم أنّ هذه المشاعر والأفكار تتطور بسرعة وديناميكية إلى مواقف واختيارات لاتجاهات سياسية وفلسفية ودينية؛ فإنّها، في ابتدائها ونشوئها، تردّ إلى الخوف، وسواء كان هؤلاء الخائفون، محقين أم مخطئين، فإنّ مشاعرهم القوية بالخوف على حياتهم أو مصالحهم، أو شعورهم بالتهديد والاستهداف، الذي تعزّزه ذاكرة عميقة ومتراكمة يستحضرونها في وعي ظاهر أو باطن، ثم يتشكل السلوك السياسي والاجتماعي، فيرون أنفسهم والآخر حسب حضور هذا الخوف وقوة تأثيره، ويفسرون الأزمات والأحداث العالمية ومواقف الدول والأنظمة والجماعات. ثم تتشكّل، بطبيعة الحال، أفكار ومشاعر التضامن والنفور، والتأييد والمعارضة، والانتماء، والرفض، والاحتجاج.

ربّما تكون، وغالباً ما تكون، مخاوف تملك قدراً كبيراً من الحجية الصحيحة والمنطقية، وتدعمها تجارب واقعية. وليس الجدل والخلاف مع المتطرفين؛ بمن هم الخائفون، سواء كانوا جماعات أو فئات أو طبقات أو طوائف أو جهات، بشأن صحة أو خطأ أفكارهم ومشاعرهم وتجاربهم، لكنّ العقد الاجتماعي، بما يفترض أنّه يتضمن، بداهة وتلقائياً، مواجهة التطرف والمخاوف والكراهية والعنف، ويقوم على إدارة المخاوف والصراعات وتنظيمها، لا إلغائها أو تصحيحها، فهي في الواقع ليست مواقف عقلانية، لكنها حالة نفسية اجتماعية اقتصادية تتشكل وتتطور وتسير في اتجاهات صحيحة أو خاطئة، مفيدة أو ضارة، حسب إدارتها ومعالجتها. فالمطلوب هو التفاهم والتسويات، دون إنكار أو رفض للمخاوف والمطالب. وفي إدارة وتسوية هذه الصراعات سلمياً، وبناء مصالح تجعل الناس، بفئاتهم وطبقاتهم، يعتمدون على بعضهم، اعتماداً متبادلاً ومتكافئاً، يتشكل الأمان وأفكار التعاون والتفاهم.

الشعور بالخوف وعدم المساواة، ينشئ الاستعلاء والاشمئزاز والمفاصلة، والشعور بالتميز ورفض الاندماج والمشاركة

يجب أن يكون الاعتماد متكافئاً، فعدم الشعور في تنظيم الدولة والمجتمعات بالمساواة، يحول العلاقة والاعتماد المتبادل إلى الخوف. إنّ عدم شعور أفراد أو طبقات أو فئات بالمساواة، سواء كان شعوراً بالانتقاص أو الأفضلية، يصيب العقد الاجتماعي بالخلل، ويقلّل قدرته على تنظيم العلاقات والمصالح، وتجب الملاحظة هنا أنّ الشعور بالخوف وعدم المساواة، ينشئ الاستعلاء والاشمئزاز والمفاصلة، والشعور بالتميز ورفض الاندماج والمشاركة، إلّا على قواعد الاختلاف ورفض الآخر وعدم تقبّله، والشعور الدائم بالنوايا السيئة. ولا تقف هذه المشاعر عند الانتخابات والانحيازات السياسية والفكرية والانتماء الاجتماعي والهويات، لكنّها تمتد أيضاً إلى الأسواق والمصالح، ثم إلى الأفكار والمعتقدات.

تعرّف كاثلين تايلور، أستاذة علم الأعصاب بجامعة إكسفورد، القسوة في كتابها "القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري"، بأنّها إلحاق الأذى المعنوي أو الجسدي أو النفسي بأشخاص أبرياء لا يستحقون هذا الإيذاء. وتندرج في هذا التعريف منظومة هائلة من أنماط الأفعال والسلوك؛ تبدأ بما يجري في الحياة اليومية والمؤسسات والشوارع والأسر، وتصل إلى جرائم الإبادة والعقوبات الجماعية بحقّ فئة من الناس.

ويبدو مفهوم (القسوة)، لكثرة استخدامه في اللغة اليومية، فعلاً عادياً، لكنّه، في الحقيقة، فعل شرير، يحتاج كل إنسان إلى أن يخلّص نفسه منه، إلّا أنّ الأكثر أهمية في فهم "القسوة"، هو أنّها قد تفسر التطرف الديني والقومي والأيديولوجي، الذي يكتسح عالم العرب والمسلمين، ويشغل العالم ويقلقه أيضاً، ذلك أنّ التطرف، بما هو محاولة تطبيق أيديولوجيا على الناس، أو معاقبتهم باسم الأيديولوجيا على أفعالهم، أو إجبارهم على فعل، هو نوع من القسوة وأفعال الشرّ. وأستخدمُ قاصداً مصطلح "الأيديولوجيا" ليشمل التطرف بكل أنواعه واتجاهاته، سواء كان دينياً أو سياسياً أو قومياً أو طائفياً.

تعرّف تايلور أستاذة علم الأعصاب بجامعة إكسفورد القسوة: بأنّها إلحاق الأذى المعنوي أو الجسدي أو النفسي بأشخاص أبرياء

ثمة حاجة إلى التمييز بين الخطاب الأيديولوجي والتطرف الأيديولوجي؛ فالخطاب هو نموذج تطبيقي لفكرة أو فلسفة، وبما هو خطاب، فإنّه يحمل بنيوياً الإقرار باحتمال خطأ الذات وصواب الخطاب الآخر، بعكس التطرف الذي يرفض احتمال خطأ الذات وصواب الآخر؛ فالخطاب عقلاني، والتطرف معتقدات وأفكار ومشاعر لا يقبل أصحابها المساس بها، ويرفضون وصفها بالخطأ؛ بل ويحاسبون على أساسها الناس ويصنفونهم. ووفق هذا المفهوم، فإنّ القسوة والتطرف حالة مَرَضِيّة، تعكس الفشل أو الاضطراب العقلي والنفسي.

تجادل تايلور -ويبدو هذا منطقياً ومتقبلاً- في أنّ القسوة ليست شأناً يخصّ المجانين، أو من يولد شريراً بالفطرة؛ بل الأرجح أنّ كثيراً من السلوك الذي يتسم بالقسوة سلوك منطقي نابع من العقل؛ أيّ إنّه يُرتكب لأسباب تبدو وجيهة وسليمة في رأي مرتكبها وقت الفعل، فمن السمات المؤذية في طبائع البشر، ميلهم إلى تصنيف "الآخر" ليس فقط في أوقات ومجريات المحن الكبرى، لكن كردّ فعل على تحديات ضئيلة وأمور بسيطة في محيطنا الاجتماعي، قد نعدّها -نحن- تمسّ مقامنا أو كرامتنا وإحساسنا بالاعتزاز والفخر.

القسوة ليست شأناً يخصّ المجانين بل الأرجح أنّ كثيراً من السلوك الذي يتسم بالقسوة سلوك منطقي نابع من العقل

ما نزال نميل، بل نريد، إنزال الضرّر بالغير، وأحياناً يبلغ الضرر درجة الإبادة الجماعية، ذلك فقط لأنّه تحكمنا معتقدات تجاه غيرنا من الناس، تدعونا إلى عدّهم طائفة تستحق الكراهية.

توصف الكيانات المعادية بالشرّ؛ بأنّها كائن شرير معادٍ يهدد وجودنا وأشخاصنا، لا نستطيع أن نفعل شيئاً يجعله يغير من سلوكه، كائن خطير ليس مثلنا، يهدف إلى الإيذاء والضرر والتدمير، ومسؤول أخلاقياً عن أفعاله، ولأنّ التهديد الذي يمثله هذا الكيان قاسٍ وشديد، فلدينا ما يبرر اللجوء إلى أن نبطل أو نقضي على هذا التهديد.

ويلزم هنا التمييز بين القسوة والعدوان والعنف؛ فكلمة "عنيف" تصف سلوكاً، وتذكرنا بتأثيرات الفعل السريع؛ القوة، والقدرة البدنية، والقدرة على التدمير. أما كلمة "عدوان"، فتعبّر عن النية والقصد بالاعتداء. لكنّ "القسوة" غالباً ما تتضمن العنف المتناهي، والقسوة تنشأ في مواقف معينة، لكنّها لا تكون أبداً عشوائية، أو من دون تمييز، إلّا ربّما في حالات الاضطرابات العقلية الشديدة، والقسوة تحكمها الظروف، مثلما تحكمها الشخصية، والناس سيستمرون في اقتراف القسوة في مواقف معينة.


وسم: