هل تؤمن أنّ المرأة أقل كفاءة من الرجل ولا تصلح للقيادة؟!

الأحد 11 مارس 2018

كثيراً ما يطرح مثل هذا الرأي من قبل الرجال المحكومين بالذهنية الذكورية التقليدية، فهي –برأيهم- لا تصلح لقيادة الشعوب، ولا تقدر على اتخاذ القرار الصائب، وينقصها الحزم القيادي! ويذهب هؤلاء أيضاً إلى القول بأنّ المرأة بشكل عام أقل كفاءة من الرجل في كل الميادين؛ الإبداعية والإنتاجية!

وهذا بالطبع طرح اعتباطي ولا يقوم على أي أساس علمي([1])، ولا يرى حتى الواقع المعاصر رؤية صحيحة، وهو يقوم على ذهنية ذكورية محض، متهافتة، ولا ترى المرأة إلا في صورة "الحرمة" و"العورة"، المرتبط إنتاجها بطبيعة المجتمع الذكوري الفاسد نفسه!

إنه طرح يقوم على ذهنية ذكورية لا ترى المرأة إلا في صورة العورة المرتبط إنتاجها بطبيعة المجتمع الذكوري

وبرأي المتدينين من هؤلاء الذكوريين، الذين يتحد لديهم الدين بالذكورية بشكل لا يمكن فصله، وما أكثرهم اليوم، المرأة خلقت للمنزل وحسب، فـ (أعمال المرأة في بيتها) كما يقول الشيخ صالح الفوزان! وبرأي الإمام الألباني: (يجب أن تعرف المرأة أنها خلقت لتلتزم بيتها وتخدم زوجها وتربي أولادها)! فيما يقول الشيخ محمد سعيد رسلان: (مهما كانت المرأة هي المرأة وينبغي أن تلزم حدها ...)! ولا يكتفي هذا الشيخ بهذا طبعاً، فيمضي قدماً ويفتي بأنه (يجب على المرأة أن تُصلي وإن لم تفعل يجب على زوجها أن يطلقها...)! وأمثال هؤلاء الشيوخ هم اليوم الأغلبية التي تتصدر الساحة الإعلامية.

لكن إذا نظرنا ببساطة إلى الواقع العالمي المعاصر، وتحدثنا عن القيادة، فما قول هؤلاء بالملكة إليزابيت الأولى الشهيرة، التي حكمت إنجلترا في القرن 16، وغيرها من الملكات البريطانيات، وماذا عن رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي، ورئيسة وزاء بريطانيا مارغريت تاتشر في القرن الماضي، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ووزيرة الخارجية والمرشحة الرئاسية الأمريكية الأولى هيلاري كلنتون ورئيسة وزراء بريطانيا الحالية تيريزا ماي في أيامنا الراهنة، وغيرهن من القائدات المتميزات في أزمنة وأمكنة وميادين مختلفة؟

أما في المجالات الأخرى:

فهناك عالمات في شتى مجالات العلوم، ومنهن عالمات كبيرات كعالمة الرياضيات الإنجليزية آدا بايرون، المشهورة بآدا لوفلايس (1815-1852م)، وهي تعتبر أول مبرمجة كمبيوتر في العالم، وقد سميت لغة "آدا" البرمجية باسمها تكريماً لها، وماري كوري، عالمة الكيمياء الفرنسية، مكتشفة البولونيوم والراديوم، الحائزة على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1903 وجائزة نوبل في الكيمياء عام 1911،  وليندا باك، عالمة الأعصاب الأمريكية، الحائزة علي جائزة نوبل في الفيزيولوجيا والطب عام 2004، وجيرتي كوري، عالمة الكيمياء الحيوية الأمريكية، الحائزة علي جائزة نوبل في الفيزيولوجيا والطب عام 1947، وباربرا مكلنتوك، العالمة الأمريكية المتخصصة في علم الوراثة والحائزة علي جائزة نوبل في الفيزيولوجيا والطب عام 1983، والقائمة تطول وتطول، وتضم كثيرات قد حصلن على جائزة نوبل وغيرها من الجوائز الكبيرة!

 تستطيع المرأة أن تكون نداً للرجل في كل المجالات عندما تنشأ في الظروف الاجتماعية التي تسمح لها بذلك

وهناك مناضلات كبيرات كالمناضلات الاشتراكيات القياديات، والمدافعات عن حقوق المرأة  في  الثلث الأول تقريباً من القرن العشرين مثل: ناديجدا كروبسكايا الروسية زوجة لينين، وروزا لوكسمبورغ  وكلارا زيتكين الألمانيتين، والفيلسوفة والكاتبة الأمريكية أنجيلا ديفز، الناشطة القيادية في مجال حقوق الإنسان والمدافعة عن حقوق المعتقلين السياسيين في السبعينيات.

وهناك أكثر من خمسين رائدة فضاء من دول مختلفة، منهن: الروسية فالنتينا تيريشكوفا رائدة الفضاء العالمية الأولى عام 1963، سالي رايد، أول رائدة فضاء أمريكية عام 1983، ديث ريزنيك، رائدة الفضاء الأمريكية عام 1984، التي توفيت في حادثة تشالينجر في العام 1986، الخ..

وهذا الكلام عن نجاح المرأة ووصولها إلى أعلى الدرجات ينطبق على كل مجالات الحياة الأخرى!

أما تاريخياً فمن المعروف أنّ الحضارة والتمدن الإنساني ابتدأ بقيادة المرأة، التي استمرت قيادتها على مدى العصر الأمومي كله، وقد امتد هذا العصر آلافاً من السنين، قبل أن ينتزع الرجل السيطرة، ويبدأ "عصره الأبوي"! ويعود ذلك إلى أنّ الحضارة قد ابتدأت مع الأسرة، التي كانت مرتبطة بالأم كوالدة ومربية وراعية، مما جعلها ربة الأسرة، ومن ثم الأسرة الممتدة، فالعشيرة وهكذا دواليك.

في مجتمعات التحريم من الطبيعي ألا نجد إلا الحريم، كما كنا نجد العبيد من الذكور والنساء في المجتمعات العبودية

وحتى في مرحلة لاحقة تمكنت نساء عديدات من البروز رغم الهيمنة الذكورية، منهن: الشاعرة اليونانية الشهيرة سافو، المولودة في أواخر القرن السابع قبل الميلاد في جزيرة ليسبوس، التي حظيت باحترام كبار فلاسفة اليونان والمبدعين الحديثين، فأفلاطون-مثلاً- يقول عمن يقولون إنّ ربات الإلهام تسع قائلاً: "ألا ما أعظم غباءهم، فليعلموا أن سافو ابنة مدينة ليسبوس هي العاشرة"، أما صولون الحكيم فيقول "أريد أن أحفظ أشعار سافو ثم أموت"، ويقول وول ديورانت إنّه مثلما كان  لقب الشاعر لصيقاً في الزمن القديم بهوميروس، فقد كان لقب "الشاعرة" لصيقاً بسافو! فيما يقول عنها الشاعر الفرنسي المعاصر روبير برازياك: "ستبقى سافو إلى الأبد أعجوبة الشعر الغنائي اليوناني".

وهناك أيضاً الفيلسوفة والعالمة الاسكندرانية الكبيرة والشهيدة هيباتيا، التي قتلها متعصبو كنيسة الإسكندرية عام 415 م. بشكل وحشي بدعوى الوثنية، والتي يقول عنها المؤرخ الكنسي سقراط في كتابه "تاريخ الكنيسة" قال: (كانت بارعة في تحصيل كل العلوم المعاصرة، ما جعلها تتفوق على كل الفلاسفة المعاصرين له؛ حيث كانت تقدم تفسيراتها وشروحاتها الفلسفية، خاصة فلسفة أفلاطون لمريديها الذين قدموا من كل المناطق، بالإضافة إلى تواضعها الشديد، فلم تكن تهوى الظهور أمام العامة، ورغم ذلك كانت تقف أمام قضاة المدينة وحكامها دون أن تفقد مسلكها المتواضع المهيب الذي كان يميزها عن سواها، والذي أكسبها احترام الجميع وتقديرهم لها، وقد كان والي المدينة "أورستوس" في مقدمة هؤلاء الذين كانوا يُكِنّون لها عظيم الاحترام).

وأيضاً الأميرات السوريات جوليا دومنا وشقيقتها جوليا ميزا وابنتها جوليا ماميا، اللاتي حكمن روما في بدايات القرن الثالث، وقد أطلق الرومان على جوليا دومنا العديد من الألقاب التكريمية مثل: أم القياصرة، وأم الوطن، وقد لقبها مجلس الشيوخ الروماني بدومينا أي"السيدة البالغة الجلال".

وكلنا يذكر زنوبيا ملكة تدمر التي هددت عرش روما، قبل سقوط تدمر عام 272م.!

الدفاع الموضوعي والعقلاني عن المرأة هو بالوقت نفسه دفاع ووقوف مع الرجل الحقيقي

ولدينا في تاريخنا العربي أسماء لامعة مثل: الفارسة خولة بنت الأزور، والصوفية الكبيرة رابعة العدوية، والشاعرة الأميرة ولادة بنت المستكفي الغنية عن التعريف، وغيرهن..

وهذه بعض أمثلة لا أكثر، ولا يمكن إحصاء كل الشخصيات النسائية الكبيرة حتى في العصر الذكوري!

والمعنى الجلي لما تقدم هو أن المرأة تستطيع أن تكون نداً للرجل في كل المجالات. عندما تنشأ في الظروف الاجتماعية، التي تسمح لها بذلك! أما في مجتمعات التحريم فمن الطبيعي ألا نجد إلا الحريم، كما كنا نجد العبيد من الذكور والنساء في المجتمعات العبودية!

وبالطبع، الدفاع عن المرأة بشكل موضوعي وعلمي، هو أمر مستهجن عند الجندريين الذكور، فهذه الذكورية تقوم على أسس لاعقلانية، وعلى مواريث بالية، وما يثير العجب، أنّ كثيراً من المتعلمين من الرجال يدركون هذا جيداً ويعترفون به نظرياً! ولكنهم مع ذلك يبقون متشبثين به!

إنّ الدفاع الموضوعي والعقلاني عن المرأة، هو بالوقت نفسه دفاع عن الرجل الحقيقي، فالمناصر لقضايا المرأة العادلة هو ليس قطعاً منحازاً للمرأة؛ بل هو مع العدالة، ومع المرأة ومع الرجل، ولا يمكنه أن يكون مع الرجل بالشكل الصحيح إذا جاراه في الجندرية الذكورية غير العقلانية والظالمة، فـ "نصر الأخ الظالم يتم بردعه عن ظلمه"([2])! وبهذا المعنى يكون الوقوف بجانب المرأة المظلومة انتصاراً للإنسان ذكراً وأنثى معاً!

الهوامش:

[1] - أفادت دراسات أجريت في السنوات الأخيرة في جامعة (CNRS) في بوردو الفرنسية وفي الجامعة البوليتكنيكية في فالنسيا في إسبانيا، بأن الأدمغة عند النساء تصل إلى مرحلة النضج أسرع مما لدى الرجال، وأن عملية الضمور العصبي المسببة لعدة أمراض كالزهايمر هي أسرع في أدمغة الرجال منها في أدمغة النساء.  و يمكن  الاطلاع على مقالة نشرت بالفرنسية في 13و14\12\2017 حول هذا الأمر على موقعي "أخبار اللحظة" و"الأخبار الجمهورية".

[2] - يرد في صحيح البخاري (6952) حديث: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ.


وسم: