هل العلمانية هي الحلّ؟ (2)

الأربعاء 14 فبراير 2018

يعترض د. فؤاد زكريّا على الضجة التي أُثيرت حول استخلاص كلمة العلمانية (بفتح العين) من العالم، أو (بكسر العين) من العلم، ويعدّها ضجّة مبالغاً فيها؛ لأنّ كلّاً من المعنيين، لا بدّ أن يؤدّي إلى الآخر، "فالشقّة ليست بعيدة؛ بين الاهتمام بأمور هذا العالم، والاهتمام بالعلم، وذلك لأنّ العلم، بمعناه الحديث، لم يظهر إلّا منذ بدء التحوّل نحو انتزاع أمور الحياة، من المؤسّسات التي تمثّل السلطة الرّوحية، وتركيزها في يد السلطة الزمنية، والعلم، في طبيعته، زمانيّ لا يزعم لنفسه الخلود؛ بل إنّ الحقيقة الكبرى فيه، هي قابليته للتصحيح، ولتجاوز ذاته على الدوام، وهو أيضاً مرتبط بهذا العالم، لا يدّعي معرفة أسرار غيبية، أو عوالم روحانيّة خافية، ومن ثمّ؛ فهو يفترض أنّ معرفتنا الدّقيقة لا تنصبّ إلّا على العالم الذي نعيش فيه، يترك ما وراء هذا العالم لأنواع أخرى من المعرفة؛ دينية كانت أم صوفية (..)، فالنظرة العلمية عالمانية بطبيعته".

مع تنامى التيار الأصولي كان لا بدّ للعلمانيين من أن يحاولوا فكّ الارتباط بين العلمانية والإلحاد من أذهان الناس

ومع تنامى التيار الأصولي الإسلامي، وتصاعد سطوته الثقافية والسياسية والاقتصادية على المجتمع المصري، كان لا بدّ للعلمانيين من أن يقدّموا تعريفهم الخاص للعلمانية، وأن يحاولوا فكّ الارتباط الشرطي بين العلمانية والإلحاد من أذهان الناس، فالمشكلة كانت قد انتقلت من برودة الأكاديمية إلى سخونة الشارع، والأمر لم يعد أمر نطقٍ، بالفتح أو بالكسر، إنّما أصبح غزلاً وتملّقاً للمشاعر الدينية، باسم محاربة العلمانية. أصبح الأمر تخديراً مزمناً لكسب الجماهير المغيَّبة، هنا أصبحت محاولة التعريف ضرورة ملحّة، لا ترفاً دراسياً.

والمأساة تكمن في أنّ كلّ ما يكتبه التيار الأصولي الإسلامي، يستقي تعريفاته من أصوليين آخرين، وتظلّ الدائرة مغلقة، لا تسمح بأي تواصل، حتّى بقصد الفضول المعرفي، فالأمانة العلمية تقتضي منهم أن يستمدّوا آراءهم عن العلمانية من تنظيرات العلمانيين أنفسهم لها، وعلى حدّ علمي، أنّه، حتى الآن، لم يربط علمانيّ واحد بين العلمانية والإلحاد، فالعلمانية نظرة إلى المعرفة والسياسة، والإلحاد نظرة إلى الدين واللاهوت.

لم يربط علمانيّ واحد بين العلمانية والإلحاد، فالعلمانية نظرة إلى المعرفة والسياسة، والإلحاد نظرة إلى الدين واللاهوت

وبقراءة متأنية لكتابات رموز العلمانية المصرية الحديثة، نستطيع أن نقرّر هذه الحقيقة، ونعرّف العلمانية بالإيجاب لا بالسلب، بحقيقتها لا بأنّها هي التي غير الإلحاد، حتّى لا يصبح العلمانيون دائماً في موقف ردّ الفعل، ودفع الهجوم، وحتّى لا يقعوا في الشراك اللزجة المنصوبة لهم من قبل المعسكر الأصولي، الذي يجعلهم دائماً في حالة استنفار مستمرّ، وقسم دائم بأغلظ الإيمان، ها نحن مؤمنون مثلكم، بل وأكثر، وينتهي المزاد بفوز التيار الأصولي بالضربة القاضية؛ لأنّه جرّ العلمانيين من ساحة الواقع إلى حلبة الميتافيزيقا، التي يجيد اللعب والمراوغة عليها.

وبدايةً، لنتّفق على الأصل اللغوي لكلمة العلمانية، فالعلمانية: هي المقابل العربي لكلمة "Secularism" في الإنجليزية، أو "Seculaire" في الفرنسية، وأصول الكلمة تعني: يستولد، أو ينتج، أو يبذر، أو يستنبت من الاهتمامات الدنيوية الحياتية، ومن هنا؛ فإنّها استخدمت كصفة أيضاً لأصحاب هذه الاهتمامات الدنيوية. وللكلمة دلالة زمنية أيضاً (saeculum) في اللاتينية، بمعنى القرن؛ حيث إنّها تصف الأحداث التي قد تقع مرة واحدة في كل قرن، فالدقّة الكاملة لترجمتها، كما يشير د. فؤاد زكريا، هي الزمانية.

العلمانية لا تجعل الدين أساساً للمواطنة وتفتح أبواب الوطن للجميع من مختلف الأديان، هذه هي العلمانية

إنّ العلمانية ترتبط بالأمور الزمنية؛ أي بما يحدث في هذا العالم، وعلى هذه الأرض، في مقابل الأمور الروحانية، التي تتعلق أساساً بالعالم الآخر، وقد كان المترجمون "الشوام" قديماً، يستعملون لفظ العلمانية ترجمة للكلمة الفرنسية"LAIQUE" ، أو الإنجليزية ""LAICISM، وهي المأخوذة عن اللاتينية ""LAICUS؛ أي الجماهير العادية، أو الناس، أو الشعب الذي لا يحترف الكهانة، تمييزاً لهم عن رجال الدين، والمفهوم الثاني، وإن كان لا يُستخدم الآن، يؤكّد المفهوم الأول، ولا ينفيه، فاللفظ قد تطوّر ليعبّر عن التحول من حكم الإكليروس (الكهنوتي) إلى السيطرة المدنية (حكم الرجال العاديين)، المعنيين بالشؤون الدنيوية (الزمانية)، هذا عن المعنى اللغوي، الذي -كما رأينا- لا يعني الإلحاد، من قريب أو بعيد، بدليل أنّ القسّ الذي لا يخضع لنظام كنسي محدَّد، يطلق عليه "Secular priest"؛ أي قسّ عالماني، وليس قسّاً ملحداً، وإلّا لكانت نكتة!

وسيردّ المتربّصون بالعلمانية، ويقولون: "هذا هو تعريف الغرب، المختلف عنّا شكلاً ومضموناً، فماذا عن تعريفكم أنتم؟ وإجابة السّؤال: إنّ تعريفات العلمانيين للعلمانية، شأن أي تعريف في إطار العلوم الإنسانية، تختلف باختلاف وجهة النظر، والمدرسة الفلسفية التي ينتمي إليها صاحب التعريف، لكن -في النهاية- تصبّ كلّ التعريفات في مصبٍّ واحدٍ.

وأوّل هذه الأنواع من التعريفات: هو التعريف الذي يستند إلى علاقة العلمانية بالدين:

• العلمانية ليست هي المقابل للدين، لكنّها المقابل للكهانة".

• العلمانية هي التي تجعل السلطة السياسية من شأن هذا العالم، والسلطة الدينية شأناً من شؤون الله.

·  "العلمانية، في جوهرها، ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين".

ثانياً: تعريف من حيث حقوق المواطنة وأسسها الدستورية:

• العلمانية لا تجعل الدين أساساً للمواطنة، وتفتح أبواب الوطن للجميع من مختلف الأديان، هذه هي العلمانية، دون زيادة أو نقصان، فهي لم ترادف، في أي زمان أو مكان، نفي الأديان.


وسم:

    اترك ردا