كيف تورط الإسلام السياسي العربي في النموذج التركي؟

الثلاثاء 13 فبراير 2018

ثمة فرق بين ما تعنيه النمذجة بإطارها العلمي، وما نقصده معنوياً في إطارها الديني، فنمذجة (الإسلامية التركية) باتت تشكل حالة من التورط لدى الفاعلين الرئيسيين في حقل الإسلام السياسي العربي تحديداً، فهم من ناحية، متورطون مع واقع لا يرونه منسجماً مع طموحاتهم وحمولاتهم الفكرية والعقدية والوجدانية، ومن ناحية أخرى هم متورّطون مع الرغبة بمقايسة النموذجية التركية، التي هي بذاتها لم تنشأ من تلقاء نفسها؛ بل كانت مشدودة لنموذج آخر هو النموذج الإيراني؛ حيث دخلت الإسلاموية التركية في دوامة التأثر بالراديكالية الخمينية محاولة -أي تركيا- ابتكار رؤية مستعادة عن زمن خلافتها الذي انقضى منذ أفول عام 1924.

نمذجة الإسلامية التركية باتت تشكّل حالة من التورط لدى الفاعلين الرئيسيين في حقل الإسلام السياسي العربي

هكذا بدأ العقل الإسلاموي التركي يشحن مستقبلات وعيه بما تسرب إليه من أفكار الثورة الخمينية من إيران، بعد أن لاقت تلك الثورة نجاحاً على مستوى السيطرة الدينية والسياسية على السواء، ما فتح شهية "الإسلاموية التركية" للتحدي والاستجابة في آن معاً، تحدي الواقع العلماني الرصين في المجتمع التركي، والاستجابة لرغبة العقل الإسلاموي المتطلع لخلق تحوّل حاسم في البنية المجتمعية التركية.

نعود إلى نقطة البدء، وهي الأهم؛ حيث تبدو "الإسلاموية التركية" ورطة حقيقية أمام الإسلاموية العربية وبيئاتها المجتمعية التي تحتضن إسلاماً فطرياً قابلاً للتموضع والتشكل والتحول إلى صيغ إسلامية أو "إسلاموية" غير مرغوبة، أو أنها في أحسن أحوالها "غير ملائمة".

إنّ تزايد مستوى "الانبهار" بالإسلاموية التركية، والتعلق بمدارها، ومحاولة تسلق أغصانها التي ما تزال رخوة وطرية، والتطلع لنمذجتها عربياً، يُضرُّ بنا أكثر مما يخدم الإسلام السياسي العربي، المصاب حتى الآن بدوار موجات "الربيع العربي" الذي انقلب إلى خريف عنيف، أسقط أوراقاً كثيرة عن عورات كثيرين.

تورط الإسلام السياسي العربي بفقدان الهوية لمحاولته التتلمذ على النموذج التركي الذي استفاد من هذا في بناء مشروعه 

لقد تورط أيضاً "الإسلام السياسي العربي" بفعل محاولة التتلمذ على النموذج التركي، تورط في فقدان الهوية؛ حيث امتلأ إسلامنا السياسي بالآخر التركي، الذي استفاد من توظيف هذا الامتلاء في سياق بناء مشروعه الفكري وجعله معادلاً موضوعياً للمشروع الإيراني، الأمر الذي جعل من الإسلام السياسي العربي بشقيه؛ السني والشيعي، بيئة صراع لتغذية المشروعين.

إنّ أهم ما يكمل مشهد الإسلاموية التركية، هي الجذور القومية الراسخة في الوجدان والوعي التركي، وإنّ أهم ما ينقص مشهد الإسلام السياسي العربي هو الجذر القومي الذي يستطيع أن يعزز لدى القوى والأفراد قناعات راسخة حول الهوية الجامعة.

منذ عام 2005، أي قبل ثلاثة عشر عاماً تقريباً، توقع صاحب كتاب "تفادي هرمجدون" مارتن سكرام، أن يتحول الإسلام إلى صراع ضد الإسلام، بفعل الطائفية والمذهبية والجماعات والأيديولوجيات المختلفة، ويبدو أن ذلك حدث بالفعل؛ حيث صار الإسلام السياسي آلة طيعة لإنتاج الصراع بين أجنحة الراديكالية الإسلامية المتكسرة، التي يحاول النموذج التركي أن يسوق نفسه أمام الغرب المسيطر كخيار بديل عنها.

توقّع مارتن سكرام منذ 2005 أن يتحول الإسلام إلى صراع ضد الإسلام بفعل الطائفية والمذهبية والجماعات والأيديولوجيات

ومن صور التورّط التي وقع فيها الإسلام السياسي العربي، أنّه في نظرته لنموذجه المختار، يكون قد مارس عزل نفسه عن واقعه وأفقده القدرة على قراءة المشهد الذي يعايشه، والأحداث التي تطرأ فيه والأزمات التي يعالجها، وجعله محاصراً وأعزل يواجه علاقاته مع مجتمعه وتعالقه مع نموذجه الذي يريده ويتطلع إليه بعقلية المصاب بالفصام.

ليست تركيا هي المتهم الوحيد الذي يتحمل وزر تورط قوى الإسلام السياسي العربية في إشكالاتها وأزماتها الكثيرة، لكنها حتماً الهامش الفسيح الذي استطاع أن يلتهم متونها وتصوراتها وتشوفها للسلطة والسيطرة والحكم، كما في الحالة المصرية التي قفز "العسكر" في قاربها وألقوا بها في الجب، ربما نتيجة لغياب القدرة على إقناع المجتمع المصري بأنّ نموذجهم يحمل مشروعاً قومياً خالصاً، بلا ذيول أو تبعات أو تبعيّات لمشاريع إسلاموية إقليمية ترى نفسها وريثة الإسلام ومجددة مجده.

إنّ لدينا أسباباً كثيرة للقلق من ضعف قدرة الإسلام السياسي العربي على تجاوز المعضلة التركية

وخلاصة القول إنّ لدينا أسباباً كثيرة للقلق من ضعف قدرة الإسلام السياسي العربي على تجاوز المعضلة التركية، نعم هي معضلة كونها تفتح شهية قوى إسلاموية لمحاولة تمثّلها والتماهي في تفاصيلها، دون أن يكون لها -أي هذه القوى الإسلاموية العربية-  أي سمات خاصة منسجمة مع الواقع السياسي العربي؛ إذ ثمة إسلام اقتصادي وإسلام تجاري، إلى جانب الإسلام السياسي في تركيا، لكن لدى العرب ليس هنالك سوى إسلام عاطفي تتمثله الشعوب عموماً، وإسلام راديكالي جهادي، وإسلام تركي مستورد لحساب قوى مأزومة في هويتها وجذورها الثقافية.


وسم:
//0x87h