الدولة السعودية الرابعة والمؤسسة الدينية

الأحد 11 فبراير 2018

في الصيف الماضي، أثار كاتب سعودي نقاشاً مُهماً يتعلق بالتطورات الاجتماعية والدينية التي تعيشها المملكة العربية السعودية، وتساءل قائلاً: "كيف ستكون الحال في السعودية لو أنها لم تمرّ – تاريخياً - بما سُمي "الصحوة"؟ وكيف ستكون الحال لو أن السعودية كبلدٍ قفز متجاوزاً أربعين عاماً من الرفض، والحذر، والممانعات، والاحتجاجات، والضغوط، والتهويلات، والاسترضاءات، والتصنيفات، والتشرذم التياري، وابتكار الحجج الواهية الرافضة لكل انفتاح، والواقفة في طريق أي خطوة تهدف إلى مسايرة ركب الحضارة الإنسانية، أو الاقتراب منه على الأقل؟ وأردفَ: كيف ستكون الحال، لو نجح السعوديون في تحويل السلفية بوصفها فقهاً قابلاً للتجديد وتطبيق "فقه الواقع"، إلى داعم يدفعنا إلى الأمام، عوضاً عن أن يستغلها ذوو الأهداف الأممية غير الوطنية استغلالاً مُخاتِلاً لتكريس أسباب رفض الجديد بأشكاله المادية والمعنوية كلّها؟".

ممانعات الصحويين

وفي معرض إجابته عن تساؤلاته جزم الكاتب أحمد التيهاني "بأن الحال ستكون أفضل لو أننا قفزنا – زمنياً – فوق أربعة عقود أو أكثر، هيمنت خلالها ممانعات الصحويين غير البريئة على المجتمع، وسيطرت – عبر نصف عمر المملكة - على أذهان كثيرين باتوا يحسبون لاحتجاجات الممانعين حسابات تفوق حسابات إيجابيات الخطوات، وتتجاوز فوائد المشروعات أو القرارات أو النظم أو المناشط".

ثمة تساؤلات عن المعنى من وجود هيئة الأمر بالمعروف والذي بات يشكل عبئاً على الخزينة السعودية

شرعية الدولة السعودية

كان مثل هذا الحديث خافتاً في السعودية في العقود الماضية، وهو مع مرور ثلاثة أعوام على عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، ما يزال في صُلب النقاش الوطني السعودي، وقد كان لافتاً للنظر أن المستشار في الديوان الملكي السعودي، سعود القحطاني، خاض هذا النقاش بجرأة غير معهودة، وعبر الصحف السعودية. وذهب القحطاني إلى تفكيك مقولات راسخة في الثقافة العامة في بلاده، وعلى مدار عقود، تتعلق بالشرعية الأيديولوجية والدولة الوطنية وعلاقة الدين بهذه المفاهيم واشتباكه معها، لا سيما في بلد لطالما نُظِر إليه في سياق خاص، محلياً وإقليمياً ودولياً. لقد رفض القحطاني، وهو القريب من ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أن تكون شرعية الدولة في السعودية متحصلةً من إطار أيديولوجي، ناسباً هذه الشرعية إلى القوة والإنجاز ووجود العائلة الحاكمة وبقائها كرمز للكيان الوحدوي، الذي أرسى دعائمه الملك عبدالعزيز. ولقد اقتضى هذا الطرح أنْ يكون القحطاني صريحاً، حيث رفض بشفافية لا التباس فيها مفهوم "الخلافة"؛ بمنطقها الأممي، مؤكداً تبنيه لمفهوم الدولة القُطرية؛ بمنطقها العصري المنفتح. وذهب المستشار إلى أن مفهوم "الأمة" غير صالح، والحال كهذا، في ظل ترسّخ رابطة المواطنة المتساوية، وفي ظل منطق العلاقات الدولية في عصرنا، مستطرداً في الحديث عن الأيديولوجيات الأممية المختلفة، من قومية ودينية وغيرها، ومؤكداً أنها جميعها أضاعت الرابطة الوطنية.

ليست مؤسسة موازية للدولة

ولمقاربة مكانة المؤسسة الدينية ودورها في ظل التحولات المفصلية التي شهدتها السعودية في السنوات الأخيرة، يقول هشام الغنّام، الباحث السعودي في جامعة اكزتر البريطانية، إنّ "تأثير رجال الدين المحافظين (في السعودية) كان دائماً مبالغاً به". وأضاف، وفق ما نقلت عنه "العرب" اللندنية أن "ممارسة الفتيات السعوديات للرياضة وفتح دور السينما وتنظيم حفلات، أو حتى الوصول إلى حدّ حلّ الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ليست أشياء بإمكانهم منعها. المملكة قادرة على الدفع في اتجاه مثل هذه الإصلاحات من دون توقع ردة فعل قوية". هذا الرأي يعبّر عن تيار واسع يذهب إلى تأكيد أن المؤسسة الدينية في المملكة ليست مؤسسة موازية للدولة السعودية، وإنما تعمل الآن، وعملت في السابق، تحت مظلة الدولة وليست مقابلاً لها.

الباحث السعودي هشام الغنام في جامعة اكزتر البريطانية: تأثير رجال الدين المحافظين كان دائماً مبالغاً به

الانتقال من الدور إلى المعنى

وربما تواجه الهيئة مصيراً غامضاً؛ إذ بعد تقليص دورها الجوهري في المجتمع السعودي، ضمرتْ وانتقل النقاش من الدور الذي يجب أن تقوم به إلى المعنى من وجودها الذي بات يشكل عبئاً على الخزينة السعودية. ويقول جيمس دورسي، من جامعة اس. راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة لـ"فرانس برس": "لا يمكن حلهم هكذا بكل بساطة"، مضيفاً أن "الخيار الأفضل دمجهم في المؤسسات العامة لتطبيق القانون"، بعد إخضاعهم لدورات تدريبية وتأهيلية.

تكييف الفكر السلفي؟

وثمة من يرى أن هذه المهمة هي مهمة عسيرة، لكن باحثين من أمثال محمد نبيل مُلين، الأستاذ في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، يميلون إلى الاعتقاد بأن الحنبلية الوهابية ليست ذاك المذهب المتحجر، إنما هي مذهب حي يتفاعل مع الوقائع الاجتماعية ويستجيب للمقتضيات التاريخية. قد يشير هذا الرأي، إلى تأثير مقولة "طاعة أولي الأمر" في تكييف الفكر السلفي التقليدي. إنّ ذلك قد يستند إلى خبرة تاريخية تذهب إلى أنه في كل التحولات التي خاضتها المملكة منذ الملك عبد العزيز، مروراً بعهد الملك فيصل، وعهد الملك عبد الله، وصولاً إلى عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، كانت المؤسسة الدينية مهمة في إضفاء شرعية على التحولات السياسية والتحولات في معادلة السلطة والحكم.

هو، بلا شك، نقاش متشعب وجديد، وإن دلّ فإنما يدلّ على واقع التحولات والانعطافات النوعية التي تعيشها المملكة العربية السعودية، والتي يبدو أنها سائرة نحو المزيد منها، الأمر الذي لا يبدو مبالغاً فيه أن يتحدث بعض المراقبين عن أننا، على الأغلب، بصدد الكلام عن "الدولة السعودية الرابعة".


وسم:

    اترك ردا