الإدريسي: لن تهدأ المنطقة إلا بإسقاط المشروع الإخواني الأردوغاني

الاثنين 19 فبراير 2018

قال مرشد الصوفيين في ليبيا، الدكتور محمد الشحومي الإدريسي إنّ الصوفية "فكرة تربوية تعمل على تربية المريد، حتى يكون مواطناً ملتزماً بالحق، وليست حركة سياسية"، منوهاً إلى أنّ العنف "لا يمكن أن يؤسّس لمجتمع يسوده العدل".

وحذّر ممثل قبائل الأشراف في ليبيا والعالم، في حوار مع "حفريات"، من مواصلة دعم الحركات الإرهابية، مؤكداً أنّ المنطقة "لن تهدأ إلا بتخليصها من القبضة الإخوانية الأردوغانية".

ونوّه الشحومي، وهو رئيس الرابطة العالمية للأشراف الأدارسة، ومستشار العلاقات الدولية للاتحاد الدولي لشباب الأزهر، إلى دور القبائل الليبية في "مقاومة العصابات والمليشيات المسلحة"، داعياً إلى "تصحيح الخطاب الديني وتنقيته من الانحرافات التي علقت به، وإعادته إلى أصوله السمحة".

فيما يلي نص الحوار:

ما الذي يجري في ليبيا الآن، وعلى وجه التحديد في طرابلس؟ وأين وصل "بيان القاهرة"؟

كان للشعب الليبي مطالب مشروعة، تحرك لإشعار الجهات المختصة في ذلك الوقت بها، متأثراً بما حدث في تونس ومصر، ومحاكاة لشعبيهما، إلا أنّ ما تطوّر له الموقف، بسبب تدخل أجندات خارجية، أدى إلى انحراف خطير حادّ بمسارات مطالب "17 فبراير" نحو كارثة وطنية. تدخّل حلف الناتو فدمّر القدرات الدفاعية للدولة الليبية، وأسقط النظام، وقام بتصفية معمر القذافي، وترك ليبيا غنيمة سانحة لعصابات سياسية وإجرامية، سيطرت على الأرض، ونكلت بالشعب، فهُجّر أكثر من نصفه، وتوزع بين دول الجوار، وغيرها، ونزح عدد منهم داخل ليبيا.

الغريب هو ترك ليبيا كلية بعد مقتل القذافي وإسقاط الدولة، في جريمة يتحمل مسؤوليتها ما يسمّى بالمجتمع الدولي، الذي ادّعى أنّه تدخّل حمايةً للشعب الليبي، ثم تركه يعاني تحت وطأة عذابات غير مسبوقة، في وقت هو في أمسّ الحاجة إلى الحماية، ومن ذلك هذا الصراع المدمر على العاصمة طرابلس التي تعيث فيها ميليشيات مسلحة فساداً، وتتناحر فيما بينها، من أجل السيطرة على المدينة، كلٌّ يريدها غنيمة له بقوة السلاح، دون اعتبار لمطالب أهلها.

التدخل التركي والقطري جاء بتنسيق من أمريكا وفقاً لسياسات الفوضى الخلاّقة

بعدها أثمرت الاتصالات المصرية للتوسط بين جميع أطراف الصراع لقاء جمع ثلة من الفاعليات الليبية من كل المناطق والتوجهات يومي 13 و14 كانون الأول (ديسمبر) 2016، نتج عنه بيان شكّل خريطة طريق لإخراج ليبيا من محنتها، وقد تشرّفت بصياغة ذلك البيان الذي سُمّي "بيان القاهرة"؛ حيث وافق على جميع نقاطه المبعوث الأممي لليبيا، وجميع الدول المعنية بالأزمة الليبية، ومايزال المجتمع الدولي ملتزماً بالنقاط الأساسية الواردة في ذلك البيان، وأهمّها تقليص عدد أعضاء المجلس الرئاسي إلى 3 أعضاء فقط، وفصل مجلس الوزراء عن المجلس الرئاسي، وتعديل مجلس الدولة ليكون أعضاؤه من المنتخبين يوم 2012/7/7 فقط، وتعديل المادة الثامنة من اتفاق الصخريات بما يضمن إبعاد الجيش عن الخلافات السياسية، وتمكين قيادته لإعادة بنائه.

كل ذلك كان نجاحاً للدبلوماسية المصرية، وجهود الفريق محمود حجازي الذي كلّف بالملف الليبي، وحاولت مصر إشراك الجزائر وتونس في هذه النجاحات، لكن ليس كل المتدخلين في الشأن الليبي يريدون حل الأزمة؛ بل الكثير منهم يريد إدارتها بما يحقق مصالحه، ولو على حساب الليبيين.

   ليس كل المتدخلين بالشأن الليبي يريدون حل الأزمة بل الكثيرون يريدون إدارتها بما يحقق مصالحهم

وماذا عن دور القبائل الليبية في مقاومة العصابات والمليشيات المسلحة؟

نعم، هذا ما تفعله الآن فعلاً، في غياب الحكومة التي أسقطها المجتمع الدولي ظلماً وعدواناً، بحجة حماية الشعب، واتضح الأمر أنها كانت فقط لاغتيال معمر القذافي وإسقاط نظامه. في هذه الحالة التي باتت فيه القبائل تواجه هذه المليشيات بصدور عارية، وهي تئن تحت وطأة انعدام الأمن وغياب ضروريات الحياة. عصابات لم تكتف بالاستيلاء على المال العام؛ بل استولت حتى على مدخرات الناس في البنوك، ولم يعد المواطن قادراً على التصرف في مدخراته، التي لم تعد موجودة. هذه القبائل في حاجة لحماية المجتمع الدولي لتواجه هذه التورمات السرطانية والقضاء عليها بصناديق الاقتراع.

 القبائل الليبية تواجه المليشيات المسلحة بصدور عارية وتئن تحت وطأة انعدام الأمن وغياب ضروريات الحياة

ما طبيعة التدخل القطري والتركي في كل ما يجري؟

إن التدخل التركي والقطري جاء بتنسيق من أمريكا، تنفيذاً لسياسات الفوضى الخلاقة، التي تعمل على فرض شرق أوسط جديد، على أنقاض تقسيمات سايكس بيكو، وحسب خرائط أعدها الفيلسوف اليهودي بيرنارد لويس، التي أقرها الكونغرس الأمريكي كأساس من ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، نهاية ثمانينيات القرن الماضي، واختار الأمريكان من أيام كونداليزا رايس تركيا الأردوغانية الإخوانية شريكاً لهم في هذا التوجه، واختار أردوغان قطر لأسباب يطول شرحها، أهمها تأثير قناة "الجزيرة" والقرضاوي، ونجح أردوغان في قيادة ما سمّي بـ"الربيع العربي"، وتمكّن الإخوان من السيطرة على المنطقة في المغرب وتونس وليبيا ومصر واليمن، وشارك في حكم الجزائر، لكن ثورة الشعب المصري يوم 30 حزيران (يونيو) 2013 قلبت الطاولة، وأربكت المشهد، وعطلت هذا المشروع، ووصول السيسي للحكم دمّر ما تبقى من أحلامهم، فركز الأتراك والقطريون على ليبيا لتكون مدخلهم إلى مصر، حتى التحرك الأخير من الدول الأربع شلّ إلى حد ما الدور التركي والقطري في ليبيا، لكنه ما زال يعمل، وما زال يثير الفتن، ولن تهدأ المنطقة، إلا بتخليصها من القبضة الإخوانية الأردوغانية.

كيف ترى مستقبل تنظيميْ القاعدة وداعش؟

هذه ظواهر طارئة ترفع شعارات حق لتبعد الناس عن الدين الصحيح وتنفّرهم منه، هذا هو دورها الحقيقي. "داعش" و"القاعدة" نتوءات سرطانية مفتعلة، لم تؤسس ليكون لها مستقبل، هي منتهية منذ بدايتها، ولا خوف من مثل هذه التنظيمات الإرهابية، لكن الخوف من تشويه طموح الأمة في توحيد العراق والشام مثلاً، الفكرة التي نادى بها "داعش" ليدمرها، الخوف من توحيد الجهود لردع العدوان الصهيوني وتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، ومقاومة الوجود العسكري الغربي في بلادنا العربية، الشعارات التي رفعتها القاعدة لتبعد الشباب عنها، والدليل أن القاعدة لم تعمل أبداً على تحرير فلسطين..

 تحرك الدول الأربع شلّ الدور التركي والقطري لكنهما ما زالا يثيران الفتن في ليبيا

ما تقييمك لما أنجزه القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر حتى الآن؟

المشير حفتر تحرك برفقة عدد محدود من العسكريين لمواجهة هجمة ظلامية بدأت تجتاح ليبيا خاصة المنطقة الشرقية وعاصمتها بنغازي، كان محقاً في البداية والتفّ حوله كل الليبيين، لكنّه وضع الجميع في سلة واحدة، فما لم تكن معه فأنت عدوه، وبهذا أجبر مجموعات كان يمكن أن تكون معه لتنضم إلى عدوه. تحررت بنغازي وأغلب المنطقة الشرقية، وهذا يحسب له دون شك، لكن أهل بنغازي دفعوا ثمناً باهظاً؛ حيث دمرت منازلهم، واستشهد الآلاف من أبنائهم، من أجل وحدة وسلامة ليبيا. كنا نتمنى أن يركّز على إعادة بناء الجيش الليبي ووحدته، واستدعاء كل الضباط والجنود وهم بالآلاف، ولو التزم بذلك لالتفّ حوله كل الليبيين وناصروه، ولكنه دخل معترك السياسة، وبدأ يصارع على السلطة، وليس على إعادة بناء الجيش فأربك المشهد.

هل بالفعل هناك دور للتيار السلفي المدخلي في دعم الجيش الليبي، وكيف ترى هذا الدور؟

نعم للأسف؛ هذه واحدة من أخطاء حفتر الإستراتيجية. شخصياً لست ضد الدعوة السلفية المدخلية، فمن حقها أن تدعو الناس لرؤيتها وتقنعهم بها إذا رغبوا، لكن المشكلة أنّ هذه الحركة تكفيرية إقصائية تريد أن تفرض رؤيتها بالقوة، قوة الثروة، وقوة السلاح، تصلها تمويلات مالية مذهلة، فسيطرت بالقوة على أغلب المساجد، وتمكّنت من الأوقاف في كل ليبيا، ودمّرت ونبشت أكثر من 3 آلاف روضة، وخلوة صوفية، ومنارات تعليم وتربية، ونبشت قبور الصالحين في جميع أنحاء ليبيا، وقامت بتصفية وتهديد عدد من المشايخ الصوفيين، وأجبرت الآلاف منهم على الهجرة والفرار من بطشهم، وقامت بعزل كل من لا يقول بقولهم. إنهم خطر داهم، يهدد السلم الاجتماعي، ووحدة النسيج الليبي، فعندهم الأشاعرة كفار، والصوفية، والإباضية كذلك، وأخطر ما في الأمر أنّهم أصبحوا مسلحين الآن.

 التيار السلفي المدخلي نبش أكثر من ثلاث آلاف روضة وخلوة صوفية في ليبيا

 ما صحة ما نُسب إليك بالدعوة إلى إقامة دولة إسلامية صوفية في إفريقيا تضم مصر وليبيا وتونس والجزائر ؟

لا أدري من روّج هذا الكلام الذي أنفيه شكلاً وموضوعاً! فأنا أنادي بوحدة شمال إفريقيا نعم، وأقصد بذلك الدول المغاربية ومصر والسودان، وأتمنى أن تقوم في هذه المنطقة دولة اتحادية أو موحدة، تحقق التنمية، وتفرض وجودنا، وتدافع عنه في مواجهة كيانات عملاقة، ولا علاقة لذلك بأي توجه أيديولوجي، أو ديني. الصوفية فكرة تربوية تعمل على تربية المريد، حتى يكون مواطناً ملتزماً بالحق، وليست حركة سياسية.

ما رأيك فيما يطرح بشأن تجديد الخطاب الديني؟

أنا مع دعاة تصحيح الخطاب الديني وتنقيته من الانحرافات التي علقت به، وإعادته إلى أصوله السمحة، التي تدعو للتسامح والرحمة والعدل المطلق، التي لا يجب أن تكون فقط للمسلمين؛ بل للعالمين، ومن هنا كانت مقاصد الشريعة، التي ما كانت إلا لتحقيق المصالح المرسلة للناس؛ كل الناس، دون اعتبار لعقيدتهم.

والمصالح المرسلة اختصرت في جلب المصالح، وحتى من يقول بأولوية دفع الضرر نقول له إنّ دفع الضرر من المصالح الأساسية، وقد حُدّدت المصالح المرسلة في الضروريات الخمس، وهي؛ حفظ الدين؛ أي حرية الاعتقاد، فلا إكراه في الدين، وحفظ النفس كل النفس التي حرم الله قتلها، وحفظ العقل الإنساني ليكون مبدعاً خلاّقاً قادراً على تحقيق السبب في وجود الإنسان خليفة الله في أرضه. ولن يكون خليفة إلا باستعمال عقله في إعمارها وليس بتخريبها، وحفظ المال كل المال الذي حققه الإنسان بجهده العقلي والعضلي.

وأخيراً حفظ النسل البشري، بالدفاع عن الأسرة والعائلة والقبيلة والشعب، وتنظيم العلاقة بينها، لتتعارف لا لتتناحر، وإنّ مقياس الرقي هو التقوى، وكل هذه الأمور يجب أن تكون الدعوة لها بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس بالإكراه، أو الإجبار، أو الإقصاء والازدراء. بالمحبة أولاً، فالعنف لا يمكن أن يؤسس لمجتمع يسوده العدل.


وسم:
//0x87h