في رسائله إلى جاره الفلسطيني: يوسي هاليفي و"الظلم الضروري"

الاثنين 16 أبريل 2018

في كتابه "رسائل إلى جاري الفلسطيني" الذي سينشر الشهر المقبل عن دار "هاربر كولينز" التي تملكها صحيفة "وول ستريت جورنال"، يكتب الباحث في معهد "شالوم هارتمان" الإسرائيلي، يوسي كلاين هاليفي، فصلاً تحت عنوان "الظلم الضروري في التقسيم".
وحفِل الفصل، الذي نشره الملحق الأسبوعي للصحيفة الأمريكية السبت الماضي، بالكثير من الحذلقة النموذجية التي عادة ما تسوقها النخب الإسرائيلية، لجهة كونها تعيد إنتاج الأساطير المؤسسة للسلطة الصهيونية، ولكن ليس في فظاظة الإطار الذي تعلنه السلطات الحاكمة؛ بل عبر "موضوعية" البحث الثقافي.
يبدأ هاليفي مقاله "لدى الإسرائيليين مطالبة شرعية بكل إسرائيل التاريخية - وكذلك هو من حق الفلسطينيين. والاعتراف الصريح بالالتزامات الوطنية بعيدة المدى لكلا الجانبين هو السبيل الوحيد للسلام". وهذه العبارة تبدو لقارئ أمريكي وغربي بعامة؛ بل على امتداد العالم، وبخاصة لمن لا يعرفون تفاصيل قضية فلسطين، حقيقةً موضوعيةً، بل و"منصفة".

حفِل الفصل بالكثير من الحذلقة النموذجية التي تسوقها النخب الإسرائيلية عادة، كونها تعيد إنتاج الأساطير المؤسسة للسلطة الصهيونية

لكن هذا المسار ما يلبث أن ينتكس، مع الحديث عن "مسيرة العودة الفلسطينية، التي بدأتها حركة حماس الإسلامية. عشرات الآلاف من المتظاهرين على الحدود بين غزة وإسرائيل، حيث اشتبكوا مع قوات الدفاع الإسرائيلية"، فتتراجع "الموضوعية" لصالح قيم الغطرسة الصهيونية حين تساوي بين متظاهرين عزّل كطرف "مهاجم" مقابل القوات الإسرائيلية كطرف "مدافع".
ومع استمرار تلك المسيرات حتى منتصف أيار (مايو) المقبل، حين "ستحتفل إسرائيل بالذكرى السنوية السبعين لقيامها وسيحيي الفلسطينيون ما يسمونه النكبة، أو الكارثة، مع أزمة اللاجئين التي نتجت عن الحرب العربية ضد إسرائيل". وهنا تتحول الموضوعية في مقدمة هاليفي إلى بيان تمجيدٍ حقيقيٍ للحرب التي اغتصبت دولة قائمة هي فلسطين وقلب معانيها إلى "عدوان عربي على إسرائيل".
وفي نبرة ناقدة ومشككة ينظر الباحث إلى الحدث في غزة؛ حيث "ركز المجتمع الدولي والإعلام على الاستخدام المزعوم للقوة غير المتناسبة من قبل الجنود الإسرائيليين ضد المتظاهرين الفلسطينيين وعلى البؤس الاقتصادي في غزة"، وهذه سقطة أخرى لما توصف بالنظرة الموضوعية عند إسرئيليين إلى العلاقة مع الفلسطينيين، فالمجزرة المعلنة "هي استخدام مزعوم للقوة".
ويفسّر هاليفي مسيرة العودة على أنّها "نفي صريح لحل الدولتين؛ دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة تتعايش بجانب إسرائيل"؛ بل ويزيد على هذه بغطرسة أكبر "إذا كان الفلسطينيون الذين يعيشون في غزة لا يزالون يرون أنفسهم لاجئين عازمين على "العودة" إلى الدولة اليهودية، فإن التنازل الوحيد الذي يمكن أن يرضي تطلعاتهم هو الانتحار القومي لإسرائيل".
ويتنبّه الباحث إلى سيادة الغطرسة في خطابه، ليخفف منها بعض الشيء عبر إقامة معادلة بين "الفلسطينيين في طموحاتهم المتطرفة" وإسرائيليين أيضاً هم المستوطنون في الضفة الغربية ومؤيدوهم، بما في ذلك حكومة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، الذين يعتقدون أنّ "هذه الأرض لا يمكن أن تستوعب سوى سيادة وطنية واحدة: بلدنا".

ويساوي هاليفي بين "الفلسطينيين الذين يحلمون "بالعودة" إلى دولة إسرائيل"، و"حركة الاستيطان التي تهدف إلى ملء الضفة الغربية بالكثير من الإسرائيليين بحيث يصبح الانسحاب مستحيلاً"، ويزيد على ذلك العدوان الديموغرافي المتواصل عبر التخفيف منه "لم يحققوا (المستوطنون) هذا الهدف بعد. يعيش ما يقرب من نصف مليون إسرائيلي في المستوطنات، رغم أنّ معظمهم قريبون بدرجة كافية من حدود عام 1967؛ حيث يمكن رسم خط يسمح لإسرائيل بضم جزء صغير من الضفة الغربية مقابل منح أراض لدولة فلسطينية من داخل اسرائيل، لكن المستوطنات في عمق الضفة الغربية آخذة في التوسع، وتهدف في ذلك إلى إحباط مثل هذه التنازلات".
مبدأ حل الدولتين، هو "من أجل إسرائيل مثلما هو للفلسطينيين" يعلن الباحث تأييده، مؤكداً أن "تخليص أنفسنا من الحكم على شعب آخر هو ضرورة أخلاقية وسياسية وديموغرافية. إنها الطريقة الوحيدة لإنقاذ إسرائيل على المدى الطويل كدولة يهودية وديمقراطية على حد سواء- وهما عنصران أساسيان في كياننا. التقسيم هو البديل الحقيقي الوحيد لدولة واحدة تشبه يوغوسلافيا حيث يلتهم شعبان متنافسان بعضهما البعض".
ومع أنّ الباحث لا يتوقف عند تناقض المنظورين "دولة دينية يهودية" و"دولة ديمقراطية"؛ بل يعتبرهما عنصرين أساسين لإسرائيل، يذهب إلى "دولة فلسطينية مشروطة"؛ إذ يحدد "نحن بحاجة إلى بعض المؤشرات على أنّ الدولة الفلسطينية ستكون جارة سلمية، وليس عدواً على عتبة دارنا. إنّ التعبير العملي عن هذه النية الحسنة هو اتفاق فلسطيني على أن أحفاد لاجئي 1948 يعودون إلى دولة فلسطينية وليس إلى إسرائيل، كونهم سيهددون أغلبيتها اليهودية".
وفي باب "التقسيم" يعترف هاليفي أنّ ذلك "يتطلب تضحيات لا تطاق تقريباً. كيف يمكن لدولة يهودية أن تتخلى عن السيادة على مدينة الخليل، وهي المدينة التي تعد أقدم مركز في العالم للحياة اليهودية في العالم، وتعود إلى إبراهيم وسارة؟ كيف يمكن للفلسطينيين أن يتخلوا عن طموحهم في العودة إلى مواقع مئات القرى الفلسطينية المدمرة في ما يعرف الآن بإسرائيل"؟
وتساؤلات "الموضوعية" هذه تسقط في غلواء تزيّن الروح العدوانية فهو ينظر إلى الضفة الغربية بكونها "المنطقة اليهودية في يهودا والسامرة، هكذا بالضبط سمّاها اليهود منذ آلاف السنين. إنها قلب وطننا وهويتنا كشعب وإيمان. اليهود ليسوا محتلين في يهودا. وعدنا إليها في عام 1967 بأكثر الطرق شرعية ممكنة - في حرب دفاعية ضد محاولة أخرى من العالم العربي لتدميرنا".

لم يتحول هاليفي عن تطرفه الديني وعجرفته القومية إلا عبر "الشوق الوطني" للشباب الفلسطيني

ويستدرك الباحث لتغطية هذه النبرة العدوانية "أنا أفهم بعمق جاذبية المطالبات المتطرفة. نشأت في بروكلين (ضاحية بمدينة نيويورك) في ستينيات القرن الماضي، وانجذبت إلى حركات الشباب في اليمين اليهودي القومي. عندما كنت مراهقاً، ارتديت قلادة تحمل خريطة فضية صغيرة لكل أرض إسرائيل كما حددتها الصهيونية اليمينية في ذلك الوقت. لم يشمل ذلك الضفة الغربية وغزة فحسب؛ بل الأراضي التي أصبحت المملكة الأردنية، والتي قطعتها بريطانيا عن فلسطين التاريخية في عام 1922".
ويعود إلى حلّه المقترح "التقسيم هو عمل من الظلم ضد كل من الفلسطينيين والإسرائيليين. إن الاعتراف بحدود لأحلامنا يعني اتفاقية لن تقسم الأرض فحسب؛ بل العدالة نفسها بين اثنين من أصحاب المطالبات الشرعية".
الدرس الفلسطيني أولاً وأخيراً
ويعتبر نقطة التحول الخاصة به من يهودي متطرف إلى "واقعي" يعترف بشرعية الحقوق الفلسطينية "جاءت من عملي كجندي احتياطي إسرائيلي يخدم في مخيمات اللاجئين في غزة في الثمانينيات. لقد ذكّرني الفلسطينيون المراهقون، في رميهم الحجارة على دورياتنا، بنفسي كمنظر شاب متحمس لأحلامه وبمقابل ذلك صعوبة محاولة قمع الشوق الوطني للشعوب".
هنا، ومن حيث يدري ولا يدري، يقدم هاليفي التحية للدرس الفلسطيني، فهو لم يتحول عن تطرفه الديني وعجرفته القومية إلا عبر "الشوق الوطني" للشباب الفلسطيني، ذلك الموقد الذي يبدو قادراً على تليين معادن عتاة المتطرفين الإسرائيليين، وغير المتوقف عن إطلاق اللهب الحاسم في تغيير معادلات حتى وإن كانت الأشد ظلماً.


وسم: