الضربة الثلاثية على سوريا تقصم ظهر الإجماع العربي والدولي

الأحد 15 أبريل 2018

فجرت الصواريخ، التي أطلقها التحالف الثلاثي الأمريكي الفرنسي البريطاني على سوريا، فجر السبت 14 نيسان (إبريل) الجاري سجالات عديدة، حول دوافع الضربة العسكرية، والوضع السوري القائم منذ أعوام، إضافة إلى الصراع الدولي في المنطقة. وظهر أنّ الإجماع على موقف موحد من الحدث، قد انقصم ظهره على وقع نيران الصواريخ.

سياسيون ومفكرون عرب، وصحف عربية وغربية، حصدت خلال اليومين الماضيين الكثير من الآراء المتضاربة، حول وضع سوريا، وحول اتهامات الهجمات الكيميائية على الأرض، والصواريخ التي هبطت على الأرض السورية من السماء.

الكثير من الآراء المتضاربة، حول وضع سوريا

أين المصداقية؟

تساءل الإعلامي السعودي والمدير السابق لقناة "العربية" عبد الرحمن الراشد، عن مدى مصداقية جميع الأطراف المتورطة في سوريا، ضمن مقالته في "الشرق الأوسط" اليوم: "ماذا بعد الضربة المحدودة؟". وقال الراشد "الأطراف الثلاثة تعودت على تسويق الأكاذيب. حتى الروس، فقدوا مصداقيتهم نتيجة دعمهم لمزاعم دمشق وطهران في هجوم السلاح الكيماوي على دوما".

ورأى الراشد أنّ النظام السوري بعلاقته مع العنف، لا زال "يمكنه الذهاب إلى أقصى حد ممكن".

وانطلاقاً من عدم جدوى الضربة بنظر الراشد، رأى الكاتب حازم الأمين خلال في "الحياة"، أنّ التدخل الأمريكي المباشر من خلال الضربة، لم يزد على سوريا سوى "عدد اللاعبين، حيث صار ترامب شريك بوتين وخامنئي وأردوغان. وللثلاثة مساحات في سورية".

الراشد: الأطراف الثلاثة تعودت على تسويق الأكاذيب. حتى الروس، فقدوا مصداقيتهم نتيجة دعمهم لمزاعم دمشق وطهران

وعلى وقع الخيبة من تكالب القمع الداخلي والتدخل الخارجي في سوريا وأرضها وشعبها، وتوجه "إسرائيل" للتحذير أنها سوف "لن تسمح للتواجد الإيراني في سوريا من تهديد أمنها وحدودها" اتجهت آراء أخرى إلى معارضة الضربة العسكرية الغربية جملةً وتفصيلاً، مثلما فعل السياسي والكاتب اللبناني سعد الله مزرعاني، حيث حاول التركيز على فكرة تصدير الأزمة إلى الخارج، في مقالته المنشورة أمس في صحيفة "الأخبار".

وتحت عنوان "ترامب: استعراض وتصدير أزمة ومغامرة"، كتب مزرعاني "واشنطن لا تستطيع من خلال ردها المحتمل أن تغيِّر كثيراً في المعادلات السورية الميدانية. متاعب حلفائها في سوريا ومتاعبها مع حلفائها الإقليميين وحتى الدوليين لا تحصى، يلتقي ترامب أكثر ما يلتقي في تصدير أزمته إلى الخارج مع رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو الذي يعاني، هو الآخر، من اتهامات جدية بالفساد. لكن، لنتنياهو وكل القيادة الصهيونية، أهداف خاصة ومباشرة في سوريا، يقف في مقدّمها القلق من تنامي الدور الإيراني وتحولات الدور الروسي هناك".

بعض المفكرين والكتاب العرب، عبروا من خلال صفحاتهم على موقع "فيسبوك" عن آراء حول الضربة العسكرية على سوريا مثلت في بعضها حالةً عامة لدى الرأي العام العربي، ومنهم أستاذ الفلسفة الدكتورأحمد برقاوي الذي كتب مستشرفاً الحدث في 12 نيسان (إبريل): "يكفي النظام عاراً أبدياً أن أوصل أكثرية الشعب السوري إلى حال تنتظر فيها هذه الأكثرية الخلاص منه عن طريق أمريكا، وتستعجل ترامب بالضرب".

اللغة اليائسة التي عبر عنها برقاوي، لا فرحاً ولا حزناً، انعكست على الرؤية التي مفادها أن الموقف الأخلاقي والوطني والإنساني من سوريا، هو موقفٌ معقد لدى البعض وبسيط لدى آخرين، وعبر عنه الكاتب والشاعر الفلسطيني غسان زقطان على صفحته بموقع فيسبوك حيث كتب: "سورية هي الاختبار الأهم لمفهوم الوطنية والمواطنة، وهي اختبار عميق للأخلاق والثقافة أيضاً".

الصحف ووكالات الأنباء التي تعد نفسها مع "محور المقاومة"، أطلقت صفة "العدوان الثلاثي" على الضربة تجاه سوريا، مذكرة بالعدوان على مصر عام 1956، ووقفة العرب مع مصر ورئيسها جمال عبد الناصر، مما أتاح الفرصة لرفضٍ كلي للتدخل الغربي، لكن، مع اصطفافٍ لصالح محاور أخرى، وكتب الشاعر الأردني مهدي نصير في صفحته بموقع فيسبوك:

"مع سوريا والجيش العربي السوري البطل والشعب السوري العظيم والرئيس بشار الأسد والصديقة العظيمة روسيا ضدَّ هذه الهمجية والدموية والغطرسة الأمريكية والبريطانية والفرنسية والصهيونية: سوريا وجيشها وشعبها وأصدقاؤها وحلفاؤها يرسمون تاريخاً جديداً لهذه الأمة المنكوبة".

الضربة على سوريا، هدفت بحسب تصريحات الدول الثلاث إلى "كبح القدرة السورية على استخدام الأسلحة الكيميائية" بحسب موقع "بي بي سي"، الذي نشر أن "الضربة تركزت على مركز جمرايا للبحوث العلمية في دمشق، بينما قالت وكالة الانباء السورية إن 70 صاروخاً من أصل مئة، أطلقت على الأراضي السورية، قد تم حرفها عن وجهاتها، فيما أنكر البنتاغون الأمريكي هذا الزعم".

رأي من بعيد

المصداقية حول الأزمة السورية، تطمس معالمها الآراءُ الإعلامية والصحفية والشخصية والدولية في الدول الثلاث، وربما أن لكل صاحب موقعٍ إعلامي، ولكل دولة مصالحها الخاصة، ففي بريطانيا، قالت صحيفة "الغارديان" في تقريرٍ أمس إن الاعتراضات الداخلية على المشاركة البريطانية في الضربة تجاه سوريا، يجب أن توضع بعين الاعتبار وذلك "بعد اعتراضات سياسيين وبرلمانيين، على أنّ رئيسة الوزراء تيريزا ماي تصرفت دون إجماع البرلمان، وأنها تتبع تمنيات الرئيس الأمريكي، بينما هذه الضربة، لن تأتي بالعدالة والسلام للناس في سوريا".

من جهتها، نشرت صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية، تقريراً على صفحتها الأولى، عن إعلان ترامب الانتصار، بعد أن أعلن البنتاغون أن الضربة حققت أهدافها عسكرياً، بينما نقلت الصحيفة اعتراضات بأن ما قامت به أمريكا "لن يغير من استراتيجية الأسد ونظامه في سوريا".

مزرعاني: يلتقي ترامب في تصدير أزمته إلى الخارج مع نتنياهو الذي يعاني، هو الآخر، من اتهامات جدية بالفساد

الصحف الفرنسية، وأبرزها "لو فيغارو"، حاولت منذ يوم الخميس 13 نيسان (إبريل) 2018، التركيز على أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "يخوض أول تجربةٍ له في إبداء أوامر بشأن تنفيذ ضرباتٍ عسكرية فرنسية في الخارج"، ونقلت الصحيفة ثقة بعض السياسيين والبرلمانيين، بأن ماكرون "يملك أدلة على استخدام نظام الأسد لأسلحة كيماوية"، بينما أتت التحذيرات خافتة بشأن "اتباع سياسة واشنطن في عمليات عسكرية ربما هي غير ضرورية لفرنسا".

وتبدو الدول الغربية، متفقةً في بعض شؤون سوريا، ومختلفةً في بعضها الآخر، بينما اكتفت بعض الدول العربية بتصريحاتٍ مقتضبة حول ضرورة إيجاد حلٍ سياسي وإنساني في سوريا. أما الرأي العام العربي، فمارس الحرب كما يمارسها منذ بداية "الربيع العربي"، حيث تكالبت الآراء واختلفت، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبالأخص موقع "فيسبوك"، وربما اختزلت آراء بعض الإعلاميين والمفكرين العرب مسائل الخلاف الدائر.

التساؤل المتبقي، حول دور أمريكا وروسيا وإيران وبريطانيا وفرنسا، متروكٌ للأحداث القادمة، السياسية منها والعسكرية، وتأثير ما سوف يأتي على الدول العربية المحيطة غير واضح وهم يعقدون اليوم الأحد قمتهم العربية التاسعة والعشرين في المملكة العربية السعودية، أما سوريا، فلا يمكن سوى القول، إنه وبغض النظر عن التفاصيل فإن الناس فيها، ما زالوا يموتون هناك.


وسم: