هل يؤثر موقف الرياض من هجوم دوما في العلاقات السعودية-الروسية؟

الأربعاء 11 أبريل 2018

لعلّ من الأسئلة الملحّة في ظل التطورات المتلاحقة والمحتدمة على الساحة السورية التساؤل عمّا سيتركه الموقف السعودي الأخير (بشأن الاستعداد للتعاون مع دول غربية لتوجيه عمل عسكري ضد النظام السوري) من تأثير في العلاقات السعودية-الروسية. ولا تزال السياسة السعودية المُعلنة تجاه سوريا تقوم على الإعلان عن دعم العملية السلمية واستمرار دعم عملية جنيف بإشراف الأمم المتحدة ودعم حل سياسي يستند إلى بيان جنيف (1) وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

الهجوم الكيماوي

وقد عبرت الرياض عن إدانتها الشديدة للهجوم الكيماوي على مدينة دوما بالغوطة الشرقية في سوريا، وطالبت بحماية المدنيين هناك. وأبدى مجلس الوزراء السعودي خلال جلسته، التي عقدها  أمس (الثلاثاء)، عن قلق المملكة البالغ وإدانتها الشديدة للهجوم الكيماوي المروع الذي تعرضت له مدينة دوما، مجدداً دعوات المملكة ضرورة إيقاف المآسي ضد أبناء الشعب السوري التي راح ضحيتها المدنيون الأبرياء من النساء والأطفال، وأهمية اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته لحماية المدنيين في سوريا. وتؤكد السعودية ضرورة تنفيذ وقف إطلاق النار على وجه السرعة، على النحو المطلوب في الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 2401، للسماح بتسليم المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة والإجلاء الطبي.

عبرت الرياض عن إدانتها الشديدة للهجوم الكيماوي على مدينة دوما بالغوطة الشرقية في سوريا

مشاركة سعودية؟

وكان وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، قال  للصحفيين في باريس أمس بعد اجتماع مع مسؤولين فرنسيين "هناك مشاورات بين دول عدة فيما يتعلق بالخطوات التي ينبغي اتخاذها للتعامل مع هذه القضية". وأضاف، بحسب ما أوردت وكالة "رويترز" للأنباء، بأنّ "موقفنا هو أنّه يجب محاسبة المسؤولين وتقديمهم للعدالة". ورفض الجبير التعليق عندما سئل إن كانت السعودية ستشارك في أي رد عسكري، وقال "لن أخوض في تكهنات حول ما قد يحدث أو لا يحدث، لكن كل ما يمكنني قوله هو أنّ هناك مناقشات جارية فيما يتعلق بالخيارات المتاحة للتعامل مع هذا الأمر". عقب ذلك جاء تصريح ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان أكثر وضوحاً وجرأة بقوله إنّ "السعودية قد تشارك في عمل عسكري في سوريا".  وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، توعد الإثنين الماضي برد سريع وقوي على الهجوم، وجاء موقف الرياض الجديد ليعكس موقعاً مؤثراً لها في سياق الترتيبات الغربية في التعاطي مع هجوم مدينة دوما.

الجبير: هناك مشاورات بين دول عدة فيما يتعلق بالخطوات التي ينبغي اتخاذها للتعامل مع هذه القضية

الموقف المتشدد

ويبدو هذا الموقف المتشدد من جانب السعودية متسقاً مع موقف دولي تصاعد حيال الهجوم الذي يشتبه أنّه نفذ بأسلحة كيماوية في وقت متأخر السبت الماضي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 60 شخصاً، بينما أصيب، وفق "رويترز" أكثر من ألف في مواقع عدة في دوما، قرب دمشق.

ولا يبدو واضحاً إن كان ثمة انعكاسات للعمل العسكري ضد النظام السوري، المدعوم من روسيا وإيران، على ما اعتبره مراقبون مرونة وواقعية سعودية بشأن مسألة إسقاط الرئيس السوري، بشار الأسد، وهو ما عبّر عنه ولي العهد السعودي بقوله إنه ليس من المرجح أن يتم إسقاط الرئيس الأسد، معرباً عن أمله في ألا يتحول الأخير إلى "دُمية" بين أيدي طهران. وكان هذا الموقف الجديد اعتراف سعودي واقعي عكس التحول الإضطراراي في السياسة الخارجية السعودية نحو مزيد من المرونة والواقعية في ظل توافر القناعة بعدم قدرة، أو بالأحرى عدم رغبة، الولايات المتحدة بإسقاط نظام الأسد. كما أنّ الضربة العسكرية لا تستهدف إسقاط الأسد.

واقعية سعودية.. ولكن!

وسبق هذا الموقف الجديد إرهاصات تؤشر إلى أنّ الرياض غير مُصرة على ضرورة خروج الأسد من السلطة؛ بل إنّ الرياض نصحت فصائل المعارضة السورية التي تدعمها بالقبول بالمسار التفاوضي كسبيل وحيد للتسوية، مع تأكيد رفض السعودية التهاون مع الوجود الإيراني في سوريا، الذي تعتبره المملكة أحد أسباب زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط؛ حيث تبدي الرياض (وهي تتعامل بواقعية مع موازين القوى في الساحة السورية) رفضها تعزيز الميليشيات المسلحة المدعومة من الحرس الثوري الإيراني، وفي صدارتها "حزب الله" اللبناني، كما أنّ الرياض تبدي معارضتها لأي هجمات ضد المدنيين السوريين.

التحول السعودي تجاه سوريا جاء في ظل تحولات موقف المملكة من الإرهاب والتطرف وجماعات الإسلام السياسي

وقد جاء الحديث عن تحول في الموقف السعودي في سوريا وسط أنباء عن خلاف سعودي-أمريكي حول تقديم أربعة مليارات دولارات لإعمار مناطق شرق وشمال سوريا. ومثلت تصريحات ترامب الأخيرة المثيرة للجدل "سننسحب من سوريا"، صدمة لأوساط سعودية، لا سيما أنها تلتْ مطالبة ولي العهد السعودي لدى زيارته العاصمة الأمريكية (واشنطن) بضرورة أن يحافظ الجيش الأمريكي على وجوده في سوريا؛ حيث شرح في حديثه لمجلة تايم: "نعتقد أنّ القوات الأمريكية يجب أن تبقى لفترة متوسطة على الأقل، إن لم تكن على المدى الطويل"، كما رأى أنّ بقاء القوات الأمريكية على الأرض السورية هو "الجهد الأخير لمنع إيران من الاستمرار في توسيع نفوذها"، وفق المجلة.

إنّ التحول السعودي تجاه سوريا جاء في ظل تحولات موقف المملكة من الإرهاب والتطرف وجماعات الإسلام السياسي، وفي ظل برود في العلاقات السعودية-التركية، كما في سياق التجاوب الاضطراري مع الضغط الروسي الكبير من أجل إبعاد المجموعات المسلحة المعارضة عن محيط العاصمة دمشق، ومنها "جيش الإسلام".

التدخلات الإيرانية والتركية من الملفات الأساسية التي ستناقشها القمة العربية التاسعة والعشرون

التدخلات التركية والإيرانية

وسياسياً، لا تزال الرياض تراهن على الخلفية الديموغرافية والقبلية للحفاظ على تواصلها ومكانتها لدى السوريين، وهي-بغض النظر عن ابتزاز الرئيس ترامب المالي والسياسي لها-قد تدعم أي أفكار وسياسات تستهدف التأسيس لبنية لا يشارك فيها الأكراد فقط؛ بل والسنة العرب من السوريين أيضاً، وإنشاء معادلة عربية-كردية في شرق الفرات، من دون استبعاد أي مكونات بالإقصاء أو التهجير أو التغيير الديمغرافي أو فرض مناطق نفوذ تكون مرهونة لقرارات جهات خارجية إقليمية. ويمكن القول إنّ هذا الفهم أصبح أساسياً؛ حيث ستكون التدخلات الإيرانية والتركية من الملفات الأساسية التي ستناقشها القمة العربية التاسعة والعشرون، التي ستستضيفها السعودية في الخامس عشر من الشهر الجاري بمدينة الظهران، شرقي السعودية.

الاصطفاف السعودي

قصارى القول: الموقف السعودي حيال ما جرى في دوما لن يترك أثراً جذرياً في العلاقات السعودية-الروسية، خصوصاً أنّ الحديث السعودي، والغربي من قبله، لا يستهدف تغيير موازين القوى في سوريا، ولا إسقاط نظام بشار الأسد، وقد أخذ التهديد وقتاً كافياً ليعكس بوضوح هذين الأمرين، فضلاً عن ذلك فإنّ الموقف السعودي يعكس حقيقة الاصطفاف السعودي، الذي لطالما، وما يزال، مع الغرب، وأمريكا تحديداً، أكثر مما هو مع روسيا. هذا يعني توسيع دوائر العلاقة الإستراتيجية السعودية-الأمريكية في الفترة المقبلة، وهذا ما لمسه المراقبون من خلال جولة ولي العهد السعودي في أمريكا أوروبا.


وسم: