جدار عازل بين كينيا والصومال يستلهم نموذج الكراهية الإسرائيلي

الخميس 29 مارس 2018

سور الصين العظيم، الذي فصل الصين عن إمبراطوريات الشمال، ثمّ جدار برلين، الذي فصل برلين الغربية عن الشرقية، المختلفتين أيدلوجياً، وقبل ذلك، في التاريخ القديم، الأجسام المادية أو الجدران البشرية، التي استخدِمت للفصل بين المناطق بهدف الحماية من الغرباء، كلّ ذلك يوضح أنّ فكرة الحواجز الحدودية الفاصلة بين الدول والمناطق ليست جديدة على العالم.
العشرات من الجدران والأسوار الحدودية تفصل، اليوم، بين الدول، أو المناطق، في أنحاء كثيرة من العالم، وقد تم تشييد معظمها بعد سقوط جدار برلين، ويبدو أنّ هناك زيادة خاصة شهدها هذا الاتجاه على مدى العقد الماضي؛ فبحسب موقع "worldatlas"، هناك ما مجموعه 20 حاجزاً حدودياً مكتملاً في العالم، وسبعة قيد الإنشاء، وواحد يخطَّط لبنائه، وخمسة حواجز مقترحة.
ومن المتوقّع، أن يرتفع عدد الجدران، بسبب عزم مزيد من بلدان العالم بناء جدران على حدودها، لكبح الأنشطة غير القانونية على حدودها، ولمواجهة الأزمات الجديدة للعالم؛ كالهجرة غير القانونية والإرهاب.

هذا الجدار مختلف عن الجدران الحدودية في باقي دول العالم وسيُبنى على مناطق صومالية استولت عليها كينيا تاريخياً

جدار كينيا العازل
توالت دعوات بناء جدار على الحدود الكينية الصومالية، في أعقاب تزايد هجمات "حركة الشباب" في مقاطعات مانديرا وغاريسا وواجير، وقد بدأت كينيا فعلاً في تشييد جدار على حدودها، مع جارها المضطرب (الصومال)، عقب حدوث تفجيرات مرتبطة بحركة الشباب داخل كينيا، بحسب الرواية الرسمية، لكنّ كثيرين يعتقدون أنّ الجدار الكيني لديه أبعاد أعمق من الهدف المعلن، الذي هو حماية الحدود من تسلل الإرهابيين، وينطوي على ممارسة احتلالية، تجعله في مصاف جدار الفصل العنصري الذي بناه الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
كما تحوم شكوك حول مدى فاعلية هذه الخطوة في تحصين البلد ضدّ الإرهاب، فضلاً عن الجوانب المأساوية التي يسبّبها الجدار على حياة الناس.
يبلغ طول الجدار الذي بدأت الحكومة الكينية تشييده، أكثر من 708 كم، عند اكتماله، ويتكون من سياجين خرسانيين متوازيين من الأسلاك الشائكة، يليهما خندق عميق بطول 3 أمتار على الجانب الكيني، على طول السياج، وإلى جواره طريق يستخدمه أفراد الأمن لحراسة الحدود، مزود بكاميرات مراقبة وأجهزة إنذار.
شرعت السلطات الكينية فعليّاً في بناء الجدار، بداية عام 2015. ومن المرجح أن يحصل على دعم شعبي، خاصة أنّ الحكومة تستخدم مواجهة شبح الإرهاب، لكن حسبما تلاحظ الناشطة الكينية، وانجو كيماري، لم يناقش المشروع في البرلمان الكيني، وذلك غدا، بحسب قولها، تقليداً تتبعه الحكومات الكينية في معظم إجراءاتها الأمنية؛ حيث تمرّر مشروعاتها تحت عباءة محاربة الإرهاب دون المرور بالسلطات التشريعية.

المناطق التي سيُبنى عليها الجدار كلّها مناطق صومالية

جدار عازل أم جدار أمني؟
ما يجعل هذا الجدار مختلفاً عن الجدران الحدودية في باقي دول العالم؛ أنّ المناطق التي سيُبنى عليها الجدار كلّها مناطق صومالية، استولت عليها كينيا تاريخياً، في فترة الاحتلال البريطاني، الذي أسرف في أراضي الشعوب، ومنحها لشعوب أخرى، حين جزّأ الإثنية الصومالية إلى خمسة أجزاء، وألحق جزءاً من هذه الخمسة في حدود الدولة الكينية.
حدثت تاريخياً عدة انتفاضات كبرى ضدّ الكينيين، ومحاولات لضمّ الإقليم في الدولة الصومالية، لكنّها ضمرت في الفترة الأخيرة، بسبب انحدار الدولة في الصومال، وصارت المسألة أمراً واقعاً، واكتفى الناس فقط بالمطالبة بتحسين شروط حياتهم.

يقول كثير من المراقبين إنّ الجدار مجرد استلهام من جدار الفصل العنصري الذي شيّدته إسرائيل في الأراضي الفلسطينية

يأتي هذا الجدار، ليشكّل كابوساً طرأ على حياة الناس، وجعلها تنقلب وتتغير بطريقة أسوأ ممّا كانت عليه من قبل، فالجدار سيهدم 2500 منزل في منطقة واحدة، فضلاً عن الأراضي التي ستصادر على طريقه.

استلهام نموذج إسرائيل
بنيامين نتنياهو، المسؤول الوحيد، غير الإفريقي، الذي حضر حفل تنصيب رئيس كينيا "أوهورو كينياتا"، الذي انتخب من جديد، في نهاية العام الماضي، وهذه لم تكن محض مصادفة؛ فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة معروفة بقربها من نظيراتها الكينية، ويصرّح الجانبان باستمرار بمواجهتهما عدوّاً مشتركاً يسمّيانه "الإرهاب"، وذلك يفسّر دعم إسرائيل الحثيث بناء الجدار الكيني، الذي يقول كثير من المراقبين إنّه مجرد استلهام من جدار الفصل العنصري، الذي شيّدته إسرائيل داخل أراضي فلسطين.
كينيا أخذت فكرة هذا الجدار من حليفتَيها الوثيقتين، الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين بنتا جدران الفصل العنصري الخاصة بهما، لإبعاد "المهاجرين غير الشرعيين" و "الهجمات الانتحارية"، دون أن تدرسا تاريخياً من هم غير الشرعيين، ومن المهاجرين، ومن هم أصحاب الأرض!

تزعم كينيا أنّ الجدار سيوقف الإرهاب ويمنع تسلل عناصر حركة الشباب لكنّها تغفل أنّ الخوف يكمن في الداخل

ويتّضح الشبه بين الجدارين الكيني، والجدار الذي بنته إسرائيل داخل فلسطين، في الأضرار التي يسبّبها كلاهما، والتي تعود إلى عاملين: العزل، وإعاقة الحركة بين المناطق المجاورة للجدار، فتتأثّر، بالتالي، حياة المواطنين على الأصعدة كافة؛ الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية، كما يشكّل الجدار عائقاً أمام التواصل بين الأقارب المقيمين على جانبيه.
ويمسّ هذا الجدار حياة الأهالي الرعاة، الذين لديهم منازل وسبل عيش في كلّ من كينيا والصومال، علاوة على تسبّبها في إعاقة الوصول لأماكن العمل أو الدراسة، فيضطر من يحتاج إلى المرور إلى اتخاذ مسارات تستغرق ساعات، بعد أن كانت تستغرق دقائق قليلة.

الرئيس الكيني أوهورو كينياتا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

هل يحلّ الجدار مسألة العنف؟
ترى الحكومة الكينية أنّ بناء الجدار سيوقف الأعمال الإرهابية، وسيمنع تسلّل عناصر حركة الشباب من الصومال، لكنّها تغفل، حسبما تكتب الناشطة الكنيية وانجو كيماري، أنّ الخوف الحقيقي يكمن في الداخل، وليس في الخارج؛ حيث يحضر العنف في مظاهره المتعددة والعنيفة في الداخل الكيني، وبحسب ما تقول، فإنّ هذا الخوف هو نتيجة تواطؤ الدولة الكينية المستمر في التهميش التاريخي لسكان شمال شرق كينيا (مناطق الصوماليين)، الذين تجاوزت أعدادهم ثلاثة ملايين ونصف مليون مواطن كيني، من الإثنية الصومالية، ويجدون أنفسهم موضع اتّهام في كلّ هجمة إرهابية ترتكبها حركة الشباب، ويتلقون صنوف السجن والامتهان والترحيل إلى بلد لم يعرفوه من قبل، وهي إجراءات تجعل من سكان شمال شرق كينيا يتساءلون عمّا إذا كانوا حقاً مواطنين في كينيا!

إحدى بوابات الجدار

تخلص وانجو إلى القول، إنّ الخيار الأمني الذي يسعى إلى تقطيع أوصال الصوماليين لن يكون حلّاً، والبديل هو حلّ سياسي يضمن للمواطنين الكينيين التمتع بحقوق المواطنة بشكل متساوٍ، وهذا من شأنه أن يقلّص عمليات العنف المستمرة.

 


وسم: