السيد إمامي..ضحية جديدة لجحيم السجون الإيرانية

الأربعاء 14 فبراير 2018

يقضي معتقلون كثر، وخصوصاً السياسيين منهم، في السجون الإيرانية، بعد أن تلقي القبض عليهم أجهزة أمنية لا تُحصى في الجمهورية الإسلامية. ومَن لم يفارق الحياة جسداً، يظل أسير ممارسات لا إنسانية غدت نهجاً مألوفاً لدى سلطات الملالي؛ ففضلاً عن التعذيب، الذي تتناقل الصحف الإيرانية المعارضة صوره وأخباره على الدوام، يُمنعُ السجين من الاتصال بعائلته، أو متابعة الأخبار والصحف، ومن الخدمات الصحية.

ويعدّ "إيفين" في العاصمة طهران، من أكثر سجون الجمهورية رعباً، بقسميه؛ النّساء والرّجال على السواء، وفق تقارير حقوقية حول أوضاع معتقلات ومعتقلي الرأي في هذا السجن سيئ الصيت، كان آخرها وفاة الأكاديمي والناشط البيئي د.كاووس سيّد إمامي.

وأثارت وفاة إمامي (64 عاماً)، وهو أكاديمي إيراني يحمل الجنسية الكندية، ويترأّس صندوق المحافظة على تراث الحياة البرية في إيران، جدلاً واسعاً؛ حيث لم تقدم السلطات الأمنية، حتى الآن، رواية مقنعة حول ملابسات وفاته، رغم زعمها أنّه "انتحر".

ونقل خبر وفاة إمامي، نجله المغني الإيراني رام، عبر حسابه الشخصي في تويتر، وقال: إنّ أباه اعتقل في 24 كانون الثاني (يناير) الماضي، دون معرفة الأسباب، وفي التاسع من شباط (فبراير) الجاري، أخبرتهم الجهات الأمنية بالوفاة المفاجئة.

 

 

اتّهامات وتصريحات رسمية

أول تعليق لمصدر حكومي على الحادثة، جاء على لسان مدّعي عام طهران، عبّاس جعفري، دولت أبادي، السبت الماضي قال فيه، وفق ما نقلت وكالة "إيلنا" الفارسية للأنباء: "كان سيّد إمامي ضمن سبعة متهمين بالتجسّس، وثمّة كثير من الأدلة التي تدينه، والاعترافات التي اعترف بها، لكنّه –للأسف- قتل نفسه في السجن؛ لأنّه لم يتحمّل الحياة هناك".

لم تقدّم الجهات الرسمية أيّة معلومة عن أسباب اعتقال إمامي وسبعة آخرين معه، إلّا بعد ساعة من إعلان نبأ وفاته، لتعلن اعتقال سبعة أشخاص بـ"تهمة التجسّس"، كانوا، وفق زعم السلطات الإيرانية، يستغلّون تجوّلهم كنشطاء بيئيين، لزيارة وتصوير مواقع إستراتيجية في الجمهورية، كما لم تحدّد الجهة الأمنية التي ألقت القبض عليهم، وفق ما نقلته وكالة "فارس" للأنباء.

من جهته، قال رئيس اللجنة البيئية في مجلس النواب الإيراني، محمد رضا تابش "على كلّ أجهزة الأمن الإيرانية، بما فيها المخابرات والسلطة القضائية، والحرس الثوري، أن يقدّموا الأدلة والوثائق التي تزيل الشكوك عن أسباب الوفاة"، وفق مذكّرة نيابية قدّمتها كتلة تابش، ونقلتها إذاعة "فاردا" الناطقة بالفارسية، أول من أمس.

أثارت وفاة إمامي جدلاً واسعاً فلم تقدم السلطات الأمنية رواية مقنعة حول ملابسات وفاته رغم زعمها أنّه انتحر

وقال المتحدّث باسم السلطة القضائية، غلام حسين محسني، لوكالة "إيلنا" "سمعت أنّ إمامي انتحر، وحتى الآن لا أملك تفاصيل الانتحار الكاملة"، مشدداً على "ضرورة مراقبة السجون بالصوت والصورة".

طالب نوّاب كثر، ترأّسهم النائب الإيراني غلام رضا حيدري، رئيس السلطة القضائية، صادق لاريجاني، بمتابعة ملف إمامي، والوقوف على الأسباب التي أدّت للوفاة، كذلك طالب هادي قائمي، مدير حملة حقوق الإنسان في إيران، القضاء الإيراني بتشريح جثّة إمامي، لتعرف عائلته، وكلّ الإيرانيين، كيف مات، وفق ما نشرته الحملة على موقعها الرسمي.

وطالبت السفارة الكندية، التي يتمتع إمامي بجنسية بلادها، بفتح تحقيق وافٍ حول الأمر، وقالت إنّها تجمع المعلومات، وتتقصّى الحقائق حول وفاة مواطن كندي في السجون الإيرانية، كما جاء على لسان الناطقة باسم السفارة، في صحيفة "جلوب آند ميل" الكندية، أول من أمس.

آخر تصريحات مدّعي عام طهران، عباس جعفري دولت أبادي، لوكالة "مهر" للأنباء أمس قال فيها "إنّ إمامي، ومعه عدد كبير من حاملي الجنسيات المزودجة (كندية-أمريكية-بريطانيا)، يعملون لصالح جهات أجنبية معادية لإيران، أبرزها الموساد الإسرائيلي وأمريكا، ويتغطّون بالعمل العام والنشاط الاجتماعي، لإخفاء جاسوسيتهم".

وأضاف أبادي، أنّ مهمة "هؤلاء الجواسيس"، وفق وصفه، "تتبّع المشروع الصاروخي الإيراني، والمواقع الإستراتيجية، وتجارب منظومة الأسلحة الدفاعية التي تعمل عليها إيران، وكلّ معلومة تخدم أعداء الجمهورية الإسلامية"، على حدّ قوله.

طالبت السفارة الكندية التي يتمتع إمامي بجنسية بلادها بفتح تحقيق حول ملابسات وفاته بالسجون الإيرانية

وفي ردّ لها على تقارير بأنّ السلطات الإيرانية أعلنت رفضها تسليم جثمان الأكاديمي الكندي-الإيراني، لعائلته، ما لم يتم دفنه فوراً، دونما محاولة لإجراء تشريح مستقلّ للجثّة، قالت نائبة مديرة برنامج الشرق وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، ماجدالينا مغربي، "يشي رفض السلطات السماح بإجراء تحقيق مستقلٍّ بشأن وفاة الدكتور سيد إمامي، التي تثير الشبهات على نحو مريب للغاية، بأنّ ثمة محاولة منسّقة للتستر على أيّ دليل بأنّه قد تعرّض للتعذيب، وربما القتل المتعمّد".

وأعربت المغربي، في تصريح نشر على الموقع الرسمي للمنظمة أول من أمس، عن قلق المنظمة من أن تكون جثّة إمامي، تحمل علامات تدين السلطات بالتعذيب، ودلالات أخرى على أسباب وفاته، ونطالب الحكومة الكندية والمجتمع الدولي بمواصلة الضغوط على السلطات الإيرانية، كي تسمح بإجراء تحقيق مستقلٍّ في ظروف وفاة إمامي، طبقاً للمعايير الدولية".

 

 

محامي العائلة: التحقيقات ناقصة

من جانبه، قال محامي عائلة إمامي، پیام درفشان: إنّ "التحقيقات ناقصة، حتى الآن، ولا يوجد أيّ دليل قطعي على الانتحار، أو الوفاة بالسكتة القلبية، كما جاء في تصريحات الجهات الأمنية".

وحول كاميرات السجن التي التقطت مقطع فيديو يبين إمامي منتحراً، قال درفشان: إنّه شاهد الفيديو مع جمع من النواب ومسؤولي الأمن، وعائلة إمامي، إلّا أنّ الفيديو لم يبيّن أيّ تفاصيل تفيد الوفاة، أو حتى تظهر إمامي".

وأكّد درفشان، في الحوار الذي أجراه معه راديو "فاردا"، أنّ الجهات الرسمية أخذت عيّنات مخبريّة، للوقوف على أسباب الوفاة، دون تشريح الجثة، ولم تقدّم العائلة أيّة تقارير طبية تؤكّد أنّ إمامي عانى من أمراض القلب، أو أيّة أمراض أخرى في حياته، بسبب صدمة العائلة، على حدّ قوله.

وحول الحبس الانفرادي الذي قضى فيه إمامي، يقول المحامي: "أكّدوا لي في السجن على أنّ الحبس الانفرادي، لا يضمّ أيّة أداةٍ، أو ظروفٍ، تسهّل عملية الانتحار، كذلك يخضع السجين الانفرادي لمراقبة متواصلة، تحديداً إذا كان متّهماً بقضية كبيرة مثل؛ التجسّس"، مستبعداً رواية الانتحار التي تروّج لها الجهات الرسمية.

پیام درفشان: التحقيقات ناقصة ولا يوجد أيّ دليل على الانتحار أو الوفاة بالسكتة القلبية كما جاء بتصريحات الجهات الأمنية

وفي مقاربة بين ما حدث للمصورة الإيرانية التي تحمل الجنسية الكندية زهراء كاظمي (1948/2003)، التي قتلت في السجن نفسه، بسبب كسر في الجمجمة؛ لأنّها التقطت صوراً خارج سجن "إيفين"، وكانت الرواية الرسمية، وقتذاك، أنّ زهراء انتحرت، رغم أنّ آثار التعذيب والاغتصاب كانت واضحة، أجاب درفشان "حتّى لو قاربنا بين الحادثتين، سنكون أمام طريق مغلق؛ لأنّ السيّد إمامي لا تظهر عليه أيّة آثار ضرب واضحة"، مؤكداً "أنّ إمامي كان متديناً، ومرجعياته الثقافية والدينية ضدّ الانتحار".

وقال محامي العائلة الثاني، أراش كيخوسرافي: إنّ العائلة لم ترفض تشريح جثّة إمامي، ولم يعرض الفيلم الذي تحدّثت عنه إدارة السجن أيّ شيء يفيد التحقيق، على عكس تصريحات علاء الدين بروجردي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، لوكالة أنباء البرلمان "في الفيلم يمكن رؤية كاووس سيد إمامي، يخلع قميصه ويستعدّ للانتحار، وأنّ أسرته قبلت هذه الحادثة، لذا لم تطلب إجراء تشريح".

وفي سجن إيفين ذاته، طالب ابن سجين إيراني-أمريكي، يبلغ من العمر 81 عاماً، السلطات الإيرانية السّماح لوالده بقضاء الفترة المتبقية من عقوبته في منزله، بسبب حالته الصحية الخطيرة التي تستدعي نقله إلى المستشفى أكثر من مرّة في الأسبوع. وقال جاريد جينسر، محامي السجين باقر نمازي، إنّ نبضات قلب موكّله تضاعفت من 60 إلى 120 نبضة في الدقيقة، وعانى من تذبذب في ضغط الدم.

حتى الآن تواصل السلطات الإيرانية تبنّي رواية الانتحار باستخدام قميصه شنقاً بعد أن أوهم الحراس بنومه

ونمازي حاكم إقليم سابق، وعمل في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، ونقل الأسبوع الماضي إلى مستشفى سجن "إيفين"، بعد انخفاض حادٍّ في ضغط الدم؛ حيث يقضي فترة عقوبة مدتها 10 أعوام في اتّهامات بالتجسّس، والتعاون مع الولايات المتحدة، وتؤكّد التقارير الطبية تدهور حالته الصحية في السجن، وفق ما نقلته وكالة أنباء "فارس" الإيرانية.

وحتى الآن، تواصل السلطات الرسمية في إيران تبنّي رواية "انتحار سيد إمامي، باستخدام قميصه الذي لفّه حول عنقه، بعد أن أوهم الحراس بنومه"، كذلك تظهر اتّهامات وتهديدات جديدة، على لسان الجنرال حسن فيروز آبادي، مستشار المرشد علي خامنئي، رئيس الأركان الإيراني السابق، الذي قال: "نعرف الجواسيس، ونتتبع تحرّكاتهم، وكان منهم سيد إمامي الذي كان يمدّ أعداء إيران بالمعلومات الاستخباراتية، ويحاول -هو ومن معه من نشطاء بيئيين- أن يخلقوا أزمة بيئية في البلاد، وفق ما صرّح به الجنرال أول من أمس، لوكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا).

 

 

القضاء الإيراني فقد مصداقيته منذ زمن طويل

وفي سياق متصل، رأت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن وفاة المحتجز الإيراني، كاووس سيد إمامي "بشكل مريب"،  وهي الثالثة منذ مطلع العام الجاري، "تسلط الضوء على الحاجة إلى تحقيق مستقل فوراً".

وقالت مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة، سارة ليا ويتسن "يظن القضاء الإيراني أنه يمكن تصديق زعمه بأن سيد إمامي، وهو أستاذ جامعي معروف، انتحر وهو محتجز في أحد الأجنحة الأشد حراسة في سجن إيفين. فقد القضاء الإيراني مصداقيته منذ زمن طويل، إذ لم يحقق في وقائع التعذيب وسوء المعاملة المتكررة رهن الاحتجاز".

ونوهت المنظمة، الناشطة في حقوق الإنسان، وفق ما نشرت وكالة الأنباء الإيطالية (آكي)، إلى أنّ وفاة إمامي تمثل "ثالث واقعة انتحار مزعومة رهن الاحتجاز تبلّغ عنها السلطات منذ بداية كانون الثاني الماضي. في 7 و8 كانون الثاني، في أعقاب الاعتقالات الجماعية إبان المظاهرات التي عمت أرجاء البلاد"؛ حيث "أفاد النشطاء بوفاتين على الأقل بمدينتي طهران وآراك".


وسم: