البغدادي: من الانطوائية وعشق كرة القدم إلى قطع الرؤوس!

الأربعاء 14 فبراير 2018

يلخص الباحث في مركز سياسات الشرق الأوسط ومعهد بروكنجز، ويليام مكانتس، في تقرير مهم، أهم التحولات في حياة "أبو بكر البغدادي" الذي بالكاد كان يُسمع صوته عندما يتحدث، إلى أن تحوّل فأصبح زعيماً لـتنظيم داعش الإرهابي.

مؤلف كتاب "تنظيم الدولة: نهاية العالم" في تقريره، الذي أصدره المنتدى الدولي من أجل إسلام ديمقراطي (IFDI) في أيلول (سبتمبر) 2015 تحت عنوان "المؤمن: كيف أصبح شخص انطوائي، شغفه الدين وكرة القدم، أبا بكر البغدادي زعيم "الدولة الإسلامية"؟"، يتتبع السيرة الذاتية لـ "إبراهيم عواد" (البغدادي)، منذ ولد في العام 1971 في سامراء، وهي مدينة عراقية قديمة تقع على الحافة الشرقية من المثلث السُني شمالي بغداد، وكيف أصبح بعد أن كان يقضي جلّ وقته في المسجد، منهمكاً في دراساته الدينية، مدعي الخلافة، المتعصب، الذي يفتي بحرق مخالفيه وقطع رقابهم.

المنعزل الانطوائي

يبدأ مكانتس في اختراق الحالة النفسية لمؤسس "داعش"، ويتساءل: هل البغدادي، كان انطوائياً، وهذا هو السبب الرئيسي في تحوّله إلى قاتل يأمر بحرق جثث الأحياء؟.. ثم يجيب: كان إبراهيم نجلَ رجلٍ تقي يدرّس تلاوة القرآن الكريم في مسجدٍ محلي، وكان منطوياً، قليل الكلام، الجيران الذين عرفوه يتذكرونه كشخصٍ خجول لا يختلط بالآخرين، وحتى عندما كان الناس يصطدمون به خلال مباريات ودية في كرة القدم، وهي رياضته المفضلة، كان يظلُّ محتفظاً بهدوئه ولا يبدو عليه أيّ انفعال.

ويضيف: في وقتٍ مبكر، كان لقب إبراهيم هو "المؤمن"، وعندما لم يكن في المدرسة، كان يقضي معظم وقته في المسجد المحلي، منهمكاً في دراساته الدينية، وعندما يعود إلى بيته في نهاية اليوم، حسبما أفاد شامسي، أحد أشقائه، كان يُسارع إلى وعظ أي شخصٍ يضلَّ الطريق ولا يتقيد بتعاليم الشريعة الإسلامية.

كان البغدادي نجلَ رجلٍ تقيّ يدرّس تلاوة القرآن الكريم في مسجدٍ محلي وكان منطوياً قليل الكلام

لما كبر البغدادي، تزوج من امرأتين وأنجب 6 أطفال؛ زوجته الأولى، أسماء، هي ابنة خاله، وتزوج الثانية، إسراء، في وقتٍ لاحقٍ بعد الغزو الأمريكي في العام 2003، وحجب زوجتيه بعيداً عن أعين الناس، وهو نفسه كان منعزلاً ولم يختلط اجتماعياً كثيراً، مفضّلاً قضاء الوقت مع عائلته في شقتهم الصغيرة بالقرب من مسجد الحاج زيدان في حي طوبجي المتواضع ببغداد.

 

متدين وسط "البعث"

عن البيئة الاجتماعية التي خرج منها زعيم "داعش"، أكد مكانتس، أن عائلة البغدادي، تنتمي إلى الريف والطبقة المتوسطة الدنيا، وهي معروفة بنسبها والسلالة التي تنحدر منها، وأن نسب البغدادي حالة واحدة من الهويات الدينية المتعددة والمتداخلة في العراق، التي تتناقض مع الشرخ المفترض القديم بين السُنة والشيعة؛ حيث قام التنظيم الذي يقوده بتفجير ضريح السامرائي، وهو جده، في محاولةٍ لجعل هذا الانقسام واقعاً راسخاً.

"وفي مسجد صغير منعزل، كان والده عواد يقوم بالتدريس، وكان هو يقود أطفال الحي في ترديد تلاوة القرآن، وكانت هذه أول تجربةٍ له في مجال الخطابة والتعليم الديني؛ حيث كرّس والده الساعات له من أجل أن يجعله متقناً التفاصيل الدقيقة لفن التلاوة والترتيل".

رغم تديّن عائلة البغدادي فقد انضم بعض أعضائها إلى حزب البعث ومنهم اثنان من أعمامه

ويتابع مكانتس: رغم تديّن عائلة البغدادي، فقد انضم بعض أعضائها إلى حزب البعث، وهو منظمة اشتراكية مكرّسة لهدف الأمة العربية الواحدة، ومع أنّ القادة البعثيين كانوا متساهلين مع التعبد الديني الخاص، لا بل حتى يشجّعوه أحياناً باعتباره متنفساً للحماسة الدينية، إلا أنهم كانوا حذرين من النشاط الديني باعتباره يُشكل تهديداً لحكمهم. وقد هيمنت الأفكار البعثية على الساحة السياسية العراقية وعلى أجهزة الدولة منذ أواخر الستينيات، مما دفع المواطنين الذين يريدون وظائف حكومية للانضمام إلى الحزب، بغض النظر عن قناعاتهم الشخصية، وقد خدم اثنان من أعمام البغدادي في أجهزة الأمن في عهد صدام، وأصبح أحد أشقائه ضابطاً في الجيش. كما خدم أخ آخر له في الجيش وقُتل خلال الحرب الضروس التي استمرت ثماني سنوات، عندما حارب العراق ضدَّ إيران في الثمانينيات.

عن طريق كرة القدم صادق الكثيرين في سجن بوكا، وبعضهم انضموا له في تنظيم داعش

مارادونا الكرة

إبراهيم عواد (البغدادي)، كان لاعب كرة وعاشقاً لها في مقتبل عمره، كما يؤكد مكانتس، وكان المسجد أيضاً هو المكان الذي أتاح له أن ينغمس بممارسة هوايته الأخرى المفضلة، وهي هذه اللعبة؛ حيث كان به نادٍ لكرة القدم، وكان هو نجمه، ويُعرف باسم "مارادونا فريقنا"، في إشارة إلى اللاعب الأرجنتيني المعروف، وحين دخل السجن بعد الاحتلال الأمريكي أدهش رفاقه بطريقة لعبه.

يقول مكانتس: كان في كثيرٍ من الأحيان يفقد أعصابه عندما يفشل في إحراز هدف، وعن طريق كرة القدم صادق الكثيرين في سجن بوكا، وبعضهم انضموا له في تنظيم داعش.

كان منعزلاً ولم يختلط اجتماعياً كثيراً، مفضّلاً قضاء الوقت مع عائلته في شقتهم الصغيرة في حي طوبجي المتواضع ببغداد

مع السلفيين والإخوان

هناك أدلة، وفق مكانتس، على أن العديد من أفراد أسرة البغدادي، وربما حتى والده، كانوا من السلفيين، وهو التيار الذي انتعش في الثمانينيات، حينما مال صدام إلى استرضاء السلفيين من خلال تأسيس جامعة دينية في العام 1989 وإطلاق اسمه عليها، وهي جامعة صدام للدراسات الإسلامية، وهي التي حصل منها البغدادي فيما بعد على شهادة الدكتوراه في قراءات القرآن، التي كان يتقنها على يد والده.

ويشير مكانتس إلى أنّ هذه الجامعة مجرد واحدة من طرقٍ عديدة حاول فيها صدام استخدام الدين لتعزيز قبضته على المجتمع العراقي؛ حيث "شجّع دراسة القرآن وترتيله، واعداً باستخدام أموال الدولة لتدريب 30,000 معلم للقرآن، وساعتها تبرع بـ28 لتراً من دمه، لاستخدامها كحبرٍ في كتابة نسخة من القرآن، ليكون مقرها في مسجد أم المعارك، حيث مازالت فعلاً".

ساهم البغدادي بتأسيس جيش أهل السُنة والجماعة الذي قاتل الأمريكيين وحلفاءهم المحليين شمال ووسط العراق

تخرج البغدادي من جامعة بغداد في العام 1996 ثم التحق بجامعة صدام للدراسات الإسلامية، ونال شهادة الماجستير في تلاوة القرآن الكريم، وساعده أحد أقربائه للدخول في برنامج الدراسات العليا، الذي يتطلب الالتحاق به درجة عالية من الانتقائية، وكانت رسالته هي تعليقٍ وشرح على نصٍ مجهول وغامض من العصور الوسطى حول تلاوة القرآن الكريم، وكانت مهمته التوفيق بين إصدارات مختلفة من المخطوطة. وهذه مهمة مملة، فالعمل فيها لا يتطلب سوى القليل من الخيال، ولا مناقشة لمحتوى المشروع، وحصل على درجة الماجستير بالفعل في العام 1999، والتحق فوراً ببرنامج الدكتوراه في الدراسات القرآنية في جامعة صدام، وخلال فترة وجود البغدادي في كلية الدراسات العليا، أقنعه عمُّه، إسماعيل البدري، بالانضمام إلى جماعة الإخوان، وكان شقيقه الأكبر عضواً فيها، وشيخه محمد حردان أيضاً، لكنه انجذب بسرعة بعدها نحو السلفيين.

خلال فترة وجود البغدادي في كلية الدراسات العليا، أقنعه عمُّه، إسماعيل البدري، بالانضمام إلى جماعة الإخوان

"المعتقل المدني" يرسل نيرانه

في وقتٍ متأخرٍ من العام 2003، بعد أن هزم الأمريكيون جيش صدام ثم حلّوه، ساهم البغدادي في تأسيس جيش أهل السُنة والجماعة، وهي جماعة متمردة قاتلت القوات الأمريكية وحلفاءها المحليين في شمال ووسط العراق.

ويتابع مكانتس أنه بعد فترةٍ وجيزة، في شباط (فبراير) 2004، ألقي القبض على البغدادي في الفلوجة أثناء زيارة صديقٍ له كان اسمه على قائمة المطلوبين من قبل أمريكا. وتم نقله إلى مركز الاعتقال في معسكر بوكا، وهو مجمعٌ واسع جداً في جنوب العراق، وجرى تصنيفه في ملفات السجن بأنه "معتقل مدني"، مما يعني أن معتقليه لم يعرفوا أنه كان جهادياً.

في السجن التقى بعناصر من دائرة الزرقاوي وبعد الإفراج عنه تواصل مع المتحدث باسم القاعدة بالعراق

خلال الأشهر العشرة التي مكثها في "بوكا"، كان البغدادي، وفق ما يذكر مكانتس، يؤمّ المصلين ويلقي خطب يوم الجمعة ويعطي دروساً دينية للسجناء الآخرين، ولكنه لم يكشف النقاب عن تشدّده، وكرَّس نفسه ووقته للتثقيف الديني.

وفي هذا السياق، يقـول أحد زملائه من السجناء أجرت صحيفة "ذا غارديان" مقابلة معه من دون ذكر اسمه: "كان البغدادي شخصاً هادئاً يتمتع بكاريزما، ويمكن أن تشعر بأنه كان شخصاً ذا أهمية".. "لو لم يكن هناك السجن الأمريكي في العراق، لما ظهرت "الدولة الإسلامية" الآن؛ كان بوكا مصنعاً؛ لقد صنعنا جميعاً، وأسْهمَ في بناء أيديولوجيتنا".

أُفرج عن البغدادي في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2004، وعن طريق جهاز رولودكس (Rolodex)  أعاد الاتصال مع شركائه بعد أن كتبوا أرقام هواتف بعضهم بعضاً على ملابسهم الداخلية.

في السجن التقى بعناصر من دائرة الزرقاوي، وبعد الإفراج عنه تواصل مع المتحدث باسم القاعدة بالعراق، وهو من كلفه بالقيام بمهام للتنظيم بسورية.

ويتذكر سجين آخر مع البغدادي، ممن أجرى مراسل موقع "المونيتر" الإخباري مقابلاتٍ معهم: "مجندون جدد كان يتم إعدادهم في المعسكر، وما أن يُطلق سراحهم حتى يصبحوا قنابل زمنية موقوتة"، وكلما حضر سجين جديد، كان زملاؤه "يعلمونه، ويلقنونه، ويعطونه توجيهاتٍ، فيغادر المعسكر كأنه لهبٌ مشتعل"، وكان البغدادي الأخطر من بينهم، فهو الرجل المسؤول عن معظم ألسنة النار التي التهمت المنطقة بعد أقل من عقدٍ من الزمان.

عندما قُتل الزرقاوي في غارةٍ جوية أمريكية في شهر أيار (مايو) 2006، أعلن أبو أيوب المصري، تأسيس تنظيم الدولة في شهر تشرين الأول (أكتوبر)، وحلَّ تنظيم القاعدة في العراق.

في آذار 2007 عينه أبو أيوب المصري مشرفاً على لجنة الشريعة داخل تنظيم الدولة الإسلامية

ظلَّ البغدادي، وفق مكانتس، مسؤولاً في هذه الفترة عن دعاية "الدولة الإسلامية"، وفي 13 آذار (مارس) 2007 عينه أبو أيوب المصري، مشرفاً على لجنة الشريعة داخل التنظيم؛ فنظراً لمؤهلاته العلمية، أُسندت للبغدادي مسؤولية الشؤون الدينية في "الدولة الإسلامية" في بعضٍ من "محافظاتها" العراقية. ولأن الجماعة لم تكن لها سيطرة في الواقع على أي أرض، فإن هذا يعني إلى حدٍ كبير أن البغدادي ظلَّ مسؤولاً عن ضمان أن دعاية "الدولة الإسلامية" تمثل وتعكس عقيدتها بدقة، وأن جنودها يلتزمون بالقيود، وينفذون العقوبات القاسية التي تنص عليها الشريعة الإسلامية، أينما كانوا ومتى استطاعوا؛ فالمتهمون بالزنا الذين يتم القبض عليهم كانوا يُرجمون، وشاربو الكحول كانوا يُجلدون، واللصوص تُقطع أيديهم، و"المرتدون" يُعدمون.

ويتابع مكانتس "أخذ البغدادي إجازة من مهامه الدينية هذه، وظهر في العاصمة بغداد في 13 آذار (مارس) 2007، لمناقشة أطروحته لنيل الدكتوراه.. ولم يتمكن مشرف البغدادي في تكريت من الحضور بسبب العنف المحتدم في العراق، فأرسل ملاحظاته على الأطروحة، مشيراً إلى بعض الأخطاء ومقترحاً بعض التعديلات، ولكنه عموماً كان راضياً عن عمل الطالب، وحصل البغدادي على درجة الدكتوراه في علوم القرآن بتقدير جيد جداً".

عقب وفاة "أبو أيوب"، و"أبوعمر البغدادي" كان حجي بكر، وهو ضابط سابق في جيش صدام، عضواً في مجلس شورى التنظيم

حجي بكر يصنع البغدادي

عقب وفاة "أبو أيوب"، و"أبوعمر البغدادي" كان حجي بكر، وهو ضابط سابق في جيش صدام، عضواً في مجلس شورى التنظيم، وكان صاحب تأثير كبير، وهو من ينسب إليه بالفعل وضع الخطط الحركية والهيكلية لـ"داعش"، ومن خلال دوره استطاع التأثير على رفاقه الـ11 عضواً في مجلس الشورى، وجعلهم يختارون البغدادي زعيماً للتنظيم.

حجي بكر شرع بتطهير صفوف تنظيم الدولة من أي شخصٍ قادرٍ على تحدي سلطة البغدادي

ويوضح مكانتس أن المجلس انتخب الأمير الجديد لـ"الدولة الإسلامية" بأغلبية 9 إلى 2، وعندها، اتخذ أبو بكر البغدادي (39 عاماً) هذا الاسم الحركي الذي اشتهر به لاحقاً، تيمناً بمسقط رأسه، فأبوبكر كان حما النبي محمد، وأصبح أول خليفة في الإسلام بعد وفاته، أما بغداد فكانت عاصمة أعظم خلافة في صدر الإسلام، وهي الخلافة العباسية.

ويختتم مكانتس تقريره بالتأكيد أن حجي بكر شرع بتطهير صفوف "الدولة الإسلامية" من أي شخصٍ قادرٍ على تحدي سلطة البغدادي، وقد وصفه أفرادٌ من داخل "الدولة" بأنه "أمير الظل" و"الوزير الخاص" للأمير، وقام حجي بتسوية الحسابات، فاستبعد عشرات المنافسين وقضى عليهم؛ إما من خلال الترهيب أو الاغتيال، تماماً كما فعل صدام سابقاً، ثم جاءت الاضطرابات المتزايدة في سورية في العام 2011 لتساعد حجي والبغدادي على بناء التنظيم من جديد، ومنذ أوائل العام 2014، كانت "داعش" بدأت تتمدد حتى وصلت الموصل قبل أن يقتل صانع البغدادي حجي بكر في سورية في بداية العام 2014.


وسم: