3 سيناريوهات ستحكم مستقبل النظام في إيران

الأربعاء 14 فبراير 2018

في الحادي عشر من الشهر الجاري مرّت الذكرى الـ39 لانتصار الثورة في إيران وسقوط نظام الشاه في 1979. وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، حذّر قادة بلاده من مواجهة مصير الشاه إذا تجاهلوا "مطالب" مواطنيهم، فيما شنّ الزعيم المعارض المحتجز قيد الإقامة الجبرية، مهدي كروبي، حملة عنيفة على المرشد علي خامنئي؛ إذ اعتبره مسؤولاً عن "النتائج الكارثية" لنفوذ "الحرس الثوري"، وحضّه على تنفيذ "إصلاحات هيكلية قبل فوات الأوان". وكانت إيران شهدت نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي احتجاجات على الوضع المعيشي أدت إلى صدامات أوقعت 25 قتيلاً وفق أرقام رسمية، كما أنها شهدت هتافات سياسية مناهضة للنظام ولتدخله في شؤون المنطقة، كما أفادت وكالات الأنباء. في سياق كهذا يقدّم الباحث في الشأن الإيراني، حسن العمري، مقاربة تتناول ثلاثة سيناريوهات أو مسارات إستراتيجية قد تحكم حركة النظام الإيراني في المستقبل القريب والمتوسط، وتُقدّم "حفريات" عرضاً لها.

مسارات إستراتيجية للنظام الإيراني

انطلاقاً من الإقرار بما تعانيه إيران من أزمات متداخلة ومتراكبة، خصوصاً أزمة الهوية، وأزمة بناء الدولة-الأمة، وأزمة نموذج بناء القوة، فإنه يمكن الحديث عن 3 سيناريوهات ومسارات إستراتيجية تخضع لإطارين/ منظورين مختلفين. ففي المنظور الأول (الهروب إلى الأمام) يمكن الحديث عن سيناريو عدم حسم إيران لخياراتها الإستراتيجية. أما المنظور الثاني (الرجوع إلى خلف الحدود) فيتضمن سيناريوهين: النموذج الصيني والنموذج الكوري الشمالي.

يقدّم الباحث في الشأن الإيراني، حسن العمري، ثلاثة سيناريوهات قد تحكم حركة النظام الإيراني في المستقبل القريب والمتوسط

أولاً: سيناريو عدم حسم الخيارات الإستراتيجية من قِبَل "تحالف مؤسسة ولاية الفقيه ومؤسسة الحرس الثوري" الحاكم: ويقوم هذا السيناريو على أن يبقى النظام الإيراني في حالة سيولة في خياراته الإستراتيجية، وألَّا يستقر على أي نموذج للحكم والاقتصاد والسياسة الخارجية، وهذا هو الواقع الحالي.

مؤشرات تدعم استمرار هذا السيناريو

أ‌. أن النظام الإيراني لا يعترف بأزماته المزمنة، بل كل ما يمارسه هو استثمار حالة السيولة فيها لتعزيز قبضته في الداخل.

ب‌. أنّ النظام الإيراني لم يُقِم حوارات إستراتيجية وطنية حول الخيارات التي يجب تبنيها؛ بل غيَّب، على سبيل المثال، كل التيارات الإيرانية الفاعلة والمهمة في صناعة قرار مهم مثل الاتفاق النووي الإيراني؛ الذي كان نتيجة لتقدير إستراتيجي توصلت إليه مؤسسات التحالف الحاكم.

ت‌. استمرار التحالف الحاكم بتضيق دائرة المشاركين في صناعة القرار، واستئصال كل من يحاول تعديل قواعد اللعبة.

شهدت إيران أخيراً احتجاجات أدت إلى صدامات أوقعت 25 قتيلاً، كما أنها شهدت هتافات سياسية مناهضة للنظام

ث‌.  استمرار التحالف الحاكم بتعميق أزمة الهوية الإيرانية؛ لأن استمرارها يدعم بقاءه وقوّته.

ج‌. عدم القدرة على الخروج من "ورطة العداء لأمريكا"؛ التي رسم التحالف الحاكم صورته ومشروعية قمعه للتيار الإصلاحي عليها، وهو كذلك بنى صورته الثورية خارج إيران وفقاً لها. والتحالف الحاكم في إيران يرى أنّ الأنظمة التي تميزت بعلاقة تحالف مع الولايات المتحدة، لم تكن الأخيرة وفية لها، وهم يسوقون الحالة المصرية مثالاً على ذلك؛ عبر تخلي أمريكا عن دعم الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، وكذلك إسقاط الرئيس الليبي معمر القذافي؛ بعد أن قدم لهم كل التنازلات التي طلبوها.

أهم معوقات استمرار هذا السيناريو

1. الإخفاق في السيطرة على نتائج ومخرجات حاصل التفاعلات الإستراتيجية في الداخل الإيراني: ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.

2. وقوع خلافات داخل التحالف الحاكم تضعف تماسكه.

3. وقوع تحولات وصدمات إستراتيجية إقليمياً ودولياً تنعكس سلبياً وبشكل واسع على إيران.

ثانياً: سيناريو محاكاة النموذج الصيني: ويقوم على استمرار احتكار التحالف الحاكم "بيت القائد خامنئي-الحرس الثوري" لصناعة القرار في إيران، ومحاولة بناء نموذج اقتصادي يستطيع معالجة الأزمة الاقتصادية القائمة، ويؤسس لنموذج اقتصادي قادر على إحداث نمو اقتصادي يضمن قيام توازنات اقتصادية-اجتماعية، ويسمح بتنامي الطبقة الوسطى بشكل طبيعي.

مقومات نجاح هذا السيناريو

أ‌. أن محاكاة هذا النموذج تضمن للنظام الحاكم في إيران البقاء؛ حيث البقاء عقدة نفسية/ تاريخية تحكمه.

ب‌. أن امتلاك التكنولوجيا النووية أعطى النظام أداة ردع أمام أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني.

ت‌. أنه لم يبق قوى سياسية إيرانية منظمة قادرة على تحدي اللعبة القائمة التي يديرها التحالف الحاكم.

ث‌. الحاجة الماسّة لحل أزمة التنمية الاقتصادية في إيران؛ حتى يستطيع التحالف الحاكم الاستمرار في احتكاره للسلطة، وإدارته لقواعد اللعبة السياسية.

ج‌. وجود نزعة تتنامى داخل أركان النظام الإيراني بضرورة تنويع الشراكات الاقتصادية مع مختلف القوى الاقتصادية الكبرى؛ لأن ذلك يحقق استقرار وديمومة أكثر للنظام الحاكم، ويمنح إيران وضعاً دولياً أفضل من خلال دخول التوازنات والتشابكات الدولية مع الاستمرار بتفضيل سياسة "الالتفات شرقاً"، نحو الصين وروسيا والهند.

معوقات نجاح هذا السيناريو

1. أن تتنامى نزعة لدى التحالف الحاكم بإحياء الطموحات العسكرية للبرنامج النووي بشكل سري، وانكشاف أمر ذلك؛ ما قد يعني عودة إيران إلى حالة التوتر الشديد مع المجتمع الدولي، وربما انسحاب الشركات الأجنبية من استثماراتها.

2. أن يصر التحالف الحاكم في إيران على توجه "الالتفات شرقاً" وحصر شراكاته الاقتصادية مع الصين وروسيا والهند، وألا يمضي في تنويع شراكاته الاقتصادية لتشمل أوروبا وأمريكا.

3. أن تتنامى توجهات سياسية- اجتماعية قوية تزعزع احتكار التحالف الحاكم لصناعة القرار.

4. أن تخفق مؤسسات الدولة الإيرانية بالانسجام مع معايير التنمية والتحديث السائدة في الدول المتقدمة، وأن تخفق في تحديث بنيتها التحتية بما يسمح بنجاح استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وكذلك أن تخفق جهودها في تأسيس بنية تحتية قادرة على نقل اقتصاد إيران ليصبح اقتصاداً صناعياً، على غرار الصين.

من السيناريوهات المطروحة في إيران محاكاة النموذج الصيني، ومحاولة بناء نموذج اقتصادي يستطيع معالجة الأزمة الاقتصادية القائمة

5. ألا تستطيع الشركات والحكومات الأجنبية الوصول إلى تفاهمات مع "المؤسسات الثورية" في إيران، كونها من يسيطر على القطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد الإيراني.

6. إصرار "المؤسسات الثورية" الإيرانية على سياساتها التوسعية في الإقليم؛ والتي تهدد الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي.

7. أن يخفق التحالف الحاكم في إيران في حل معضلة ازدواجية الدولة/الثورة، وهي معضلة مستمرة منذ نحو أربعة عقود.

ثالثاً: سيناريو محاكاة النموذج الكوري الشمالي

مؤشرات تدعم هذا التوجه

أ‌. في حال تم استئناف برنامج نووي عسكري بشكل سري، وتم كشفه، وتعرضت إيران لعقوبات وحصار على غرار الحصار المفروض على كوريا الشمالية.

ب‌. أن يصبح حاصل التفاعلات الاجتماعية والاثنو- ثقافية مهدداً جوهرياً لبقاء التحالف الحاكم.

ت‌. أن يستمر إخفاق التحالف الحاكم في إدارة الأزمة الاقتصادية، وأن تتفاقم الأوضاع بما لا يمكن السيطرة عليها إلا بعسكرة مطلقة للأوضاع في إيران.

ث‌. تضييق دائرة المساهمين في صناعة القرار بشكل يجعل عقدة بقائها تتصاعد إلى الحد الذي يقتضي سيطرة عسكرية مطلقة للأوضاع.

ج‌. أن تتطور سياقات إقليمية دولية مناوئة لإيران تقتضي توجه إيران نحو هذا النموذج.

معوقات أمام هذا السيناريو

1. أن طبيعة المجتمع الإيراني وتنوع تجاربه التاريخية الحديثة تعوق تطور هذا السيناريو، وقد قام التحالف الحاكم بتنفيذ هندسات اجتماعية وثقافية على مدى السنوات الماضية، لم تنجح بشكل كبير؛ لأنها قامت على مفارقات اقتصادية واجتماعية تعاكس اللحظة الحضارية السائدة.

2. أن ينتج عن أي محاولة لسيطرة عسكرية مطلقة ردود أفعال غير محسوبة للتحالف الحاكم في إيران؛ سواء من داخل المؤسسة العسكرية أو الشرائح الاجتماعية؛ لأن اللعبة ستصبح صِفرية في تلك اللحظة.


وسم: