تحذيرات من تحوّل السّجون في أستراليا إلى بؤر للتطرّف

الأحد 11 فبراير 2018

جرى إعداد الصورة على نحو يجعلها صادمة: عشرات من المسلمين يسجدون في اتّجاه مكّة خلف الأسلاك الشائكة لسجن سوبرماكس، في مدينة غولبرن.

"جهاد السّجن"، كان هذا هو العنوان الذي أُشهِرَ فوق قصّة صحافيّة تحذّر من أنّ السّجون في أستراليا قد أصبحت بؤراً للتطرّف.

إنّها ثيمة تظهر من حين لآخر في وسائل الإعلام الوطنيّة. وهي ثيمة، عن قصد أو عن غير قصد، تخلِط في عقل القارئ بين كلّ من عمليّات التحوّل إلى الإسلام وعمليّات الرّدكلة، التي تجري داخل السجون.

والحقيقة هي، كما هو الحال دائماً، أكثر تعقيداً على نحو لانهائيّ.

سجن سوبرماكس، في مدينة غولبرن

مجرّد تحوّل دينيّ أم تطرّف

يتّفق أكاديميّون وأئمة وقائمون على السّجون على أنّ عمليّات التحوّل إلى الإسلام قد أصبحت الآن أمراً شائعاً في سجون أستراليا. غير أنّهم يقولون إنّ خطر الرّدكلة [:العمليّة التي تُفضي إلى اعتناق شخص ما لأفكار متطرّفة]، في وقتنا الحاضر، تجري المبالغة بشأنه.

تخاطر مثل هذه العناوين المثيرة بحجب نقاش مهم. هل يمكن أن تكون التحوّلات التي تجري في السّجون قوّة تقود إلى ما هو جيّد؟ ولماذا يتحوّل أولئك السّجناء، في أشدّ أوقاتهم هشاشة، إلى الإسلام؟

يتّفق أكاديميّون وأئمة وقائمون على السّجون على أنّ عمليّات التحوّل إلى الإسلام صار أمراً شائعاً في سجون أستراليا

يعرفُ مايكل كينيدي، وهو محقّق مخضرم يعمل في المجال منذ 20 عاماً، أكثر من معظم النّاس حول هذا الموضوع. ومنذ أن ترك فريق مكافحة الجريمة المنظّمة في ولاية نيو ساوث ويلز، قام بدراسة الإسلام والسّجون على نطاق موسّع كأكاديميّ في جامعة ويستيرن سيدني.

إنّ كينيدي ليس مؤمناً. غير أنّه صار يفهم الجريمة، والمجرمين، من منظورين متمايزين للغاية.

لقد أبقى كينيدي على اتّصاله بـ"الكثير من المحتالين الجيّدين" الّذين التقى بهم في حياته المهنيّة السابقة. كما يتبادل معهم الرّسائل من وقت لآخر. وفي تنقّلهم من وإلى السّجون، يمنحه هؤلاء المراسلون نظرة فريدة حول مكانة الدّين في السّجن.

"إنّه من السّهل جداً التحدّث معهم. ويحضرني الآن شخص محدّد كنت قد سألته "هل أصبحتَ متديّناً؟"".

قال "أوه لا، لكنّ هذا ما أصبح عليه كثير من النّاس. إنّها الطريقة التي يمكن أن تهوّن الوضع، والتي من خلالها تكون قادراً على التعامل مع ما حصل لك".

"تكون معزولاً عن كلّ النّاس الّذين تعرفهم في حياتك، سواء كانوا أناساً طيّبين أو سيّئين. ومن ثمّ تكون في حاجة إلى التواصل مع شخص ما حول شيء ما".

في هذه القراءة، يمثّل اكتشاف الدّين بشكل جوهريّ ميكانيزم تعامل أو مواجهة، وطريقة لتكوين هويّة مشتركة في عالم السّجن الّذي يأكل فيه القويّ الضعيف.

يقول كينيدي إنّ تأثير الأمر عادة ما يكون إيجابيّاً، على نحو يمكن أن يفتح طريقاً لإعادة تأهيل المحكوم عليه. كما يمنح السّجناء بعض مظاهر الانضباط الاجتماعيّ ويوفّر حافزاً للبقاء بعيداً عن المخدرات والكحول.

ويضيف: "لا أعتقد في الواقع أنّ هذا الميكانيزم في التعامل أو المواجهة سئ، لكن قد يجادل البعض بأنّه كذلك. إذا تأمّلت الأمر، من وجهة نظري، فإنّه يمنحهم بعض الأمل".

عمليّات التحوّل إلى الإسلام قد أصبحت الآن أمراً شائعاً في سجون أستراليا

مبالغة في الأرقام وتقدير الخطر

غير أنّ البيانات المتعلّقة بعمليّات التّحوّل إلى أيّ دين خلف القضبان غير موجودة تقريباً.

تعود أفضل المعلومات المتاحة للجمهور إلى تعداد عام 2013 لسجناء نيو ساوث ويلز، الذي يشير إلى أنّ المسلمين ما يزالون أقليّة، على الرغم من أنّه يجري المبالغة في تمثيلهم. فقد أظهر التّعداد أنّ المسلمين يمثّلون نحو 9.3 في المئة من تعداد سجن الولاية مقارنة بنسبة 3.2 في المئة من تعداد سكّان نيو ساوث ويلز.

وتشير الأدلة القوليّة غير الموثّقة إلى حدوث عمليّات تحوّل متكرّرة.

التحوّل والرّدكلة يزدادان في ظروف السجن الأكثر قسوة. وكلّما كان السّجين ديّناً أكثر قلّ احتمال أن يصبح راديكاليّاً

أسبوعيّاً، يقوم روبي مايستراتشي، وهو من العاملين على التوعية الاجتماعيّة لدى المجلس الإسلاميّ في ولاية كوينزلاند، بزيارات إلى السّجناء المسلمين في منطقة بريسبان الكبرى. ويعتقد بوجود اتّجاه بارز من التحوّل إلى الإسلام بين المحتجزين.

يقول مايستراتشي: "من دون شك هناك عمليّات تحوّل... يجري باستمرار إعلامنا بأسماء جديدة لأناس اعتنقوا الإسلام أو يريدون اعتناقه. على الأقل كلّ أسبوعين، يضاف اسم أو اسمان آخران إلى قائمتنا".

ويقول إنّ السّجن، بما أنّه يفتقر إلى الضّغوط الاجتماعيّة والماليّة، يحضّ على التّفكير التأمليّ.

"عندما يُرغَم هؤلاء الرّجال على الجلوس وإلقاء نظرة على تصرّفاتهم، فإنّني أعتقد أنّ الكثير من الأسف والندم ينشأ في داخلهم تجاه الأشياء التي قاموا بها، وفي تلك العمليّة، كما أعتقد، تبدأ رحلة السعي إلى طلب الغفران من النّاس ومن سلطة عُليا".

ينطوي دور مايستراتشي على توفير التّوجيه للسّجناء المسلمين أثناء الاحتجاز وبعد الإفراج عنهم، بما في ذلك الّذين تحوّلوا بالفعل والّذين يفكّرون في القيام بذلك. يقول: "إنّنا نبذل قصارى جهدنا للتأكّد من اهتدائهم إلى طريقة للعثور على عمل، وعيش حياة طبيعيّة، والبقاء بعيداً عن المتاعب، والبقاء خارج السجن".

ولا يكتنف مايستراتشي أيّ قلق من ردكلة السّجناء المسلمين ويعتقد أنّ هذا الخوف "يجري تضخيمه إلى حدّ كبير".

يقول: "إنّ آخر ما يتملّكني من قلق تجاه هؤلاء الإخوة في الداخل، على أساس تعاملاتي الدوريّة معهم، هو أن يصبحوا متطرّفين أو راديكاليّين أو يستخدموا الدّين بشكل خاطئ... إنّ الأمر هو أنّني لا أرى علامات تدلّ على حقيقة وجود هذا المشكل".

بيئة السّجن ودورها في عمليّة الرّدكلة

ينظر بعض الخبراء إلى ما هو أبعد من ذلك لفهم ديناميكيّات عمليّات التحوّل إلى الإسلام في السجون. وهناك سجنان بالقرب من العاصمة الفلبينية، مانيلا، تستخدمهما السلطات الإصلاحيّة الأستراليّة كمقرّات دراسة حالة.

والظروف في هذين السجنين - سجن مقاطعة مترو مانيلا وسجن نيو بيليبيد - تختلف كليّة عن تلك الموجودة في أستراليا. فهي تمتاز بالاكتظاظ الشديد، والصراعات على النفوذ بين العصابات الموجودة في السجون، ومكوث سجناء تجاوزا مدّة احتجازهم، ووجود مئات المجرمين الّذين ارتكبوا أعمالاً إرهابيّة، غالباً من جماعة أبو سيّاف والجماعة الإسلاميّة.

وعلى مدى الأعوام العشرة الماضية، كان كلارك جونز، وهو باحث في الجامعة الوطنيّة الأستراليّة، يدرس كلا السجنين، بالإضافة إلى سجون أخرى في نحو تسع دول في جنوب شرق آسيا. وقد سعى إلى فهم كيفيّة تفاعل بيئة السّجن مع عمليّات التحوّل والرّدكلة المحتملة. وكانت النتائج، التي سيتم نشرها قريباً في كتاب، مذهلة.

وجد جونز أنّ كلاً من التحوّل والرّدكلة يصبحان أكثر احتمالاً في ظروف السجن الأكثر قسوة. لكن كلّما كان السّجين ديّناً أكثر، قلّ احتمال أن يصبح راديكاليّاً أو يسئ التصرّف وراء القضبان.

وكشفت النتائج عن ظلال رماديّة في النّقاش الدائر حول عمليّات الرّدكلة داخل السجون.

وجد جونز أنّ الدّين ليس هو العامل الوحيد في ردكلة السّجناء. بل تنجم الرّدكلة عن مجموعة معقّدة من العوامل، بما في ذلك سمات بيئة السّجن، وثقافة السّجين، والحواجز الاجتماعيّة، والحاجة الأساسيّة للاستمرار في الحياة.

يقول جونز: "بالنّظر إلى ما حدث في الفلبين وفي بلدان أخرى في أنحاء العالم كافّة، يمكنني بالتّأكيد الإشارة إلى أنّ أوضاع السّجن كلّما كانت أكثر قسوة وعدائيّة، زادت فرصة الرّدكلة".

"وفي كثير من الأحيان ليس ضروريّاً أن تذهب وتفجّر شخصاً ما، بل "الثأر من النّظام، والثأر من الأوباش الّذين ورّطوني"".

معظم الّذين اعتنقوا الإسلام داخل السّجون يفقدون إيمانهم بمجرّد أن يُخلى سبيلهم ويعودون إلى دوائرهم الاجتماعيّة الاعتياديّة

ويتّفق جونز على أنّه من غير المفيد المبالغة في خطر الرّدكلة داخل السجون. ويقول إنّه ليس ثمّة أمثلة حقيقيّة على وجود أستراليّين تجري ردكلتهم وراء القضبان أو يقومون بالإعداد لشنّ هجمات.

ويضيف: "هناك عدد قليل جداً من الأعمال الإرهابيّة التي يمكن أن تضع يدك عليها، وتشير إلى أنّ الرّدكلة داخل السّجون كانت ورائها – عدد قليل جداً".

إنّ معظم الّذين اعتنقوا الإسلام داخل السّجون يفقدون إيمانهم بمجرّد أن يُخلى سبيلهم ويعودون إلى دوائرهم الاجتماعيّة الاعتياديّة، على حدّ قول كلّ من جونز وكينيدي. غير أنّ جونز يحذّر من إبداء الرضا بما تحقّق.

يقول: "إنّه من الخطير القول بأنّ عمليّات الرّدكلة لا تحدث".

أيّ سجين حاول ردكلة سجناء آخرين كان سرعان ما يوضع في بيئة أكثر تقيّيداً للحدّ من نفوذه

برامج الدّمج والعزل

تقول حكومة نيو ساوث ويلز إنّ عدد السّجناء في منظومتها العقابيّة، الّذين يشتبه بأنّ لديهم رؤى مردكلة أو متطرّفة، قد زاد "قليلاً"، لكن هذا يتزامن أصلاً مع الزيادات الأوسع في التّعداد العام للسّجناء. ويتواجد هؤلاء السّجناء في المركز الإصلاحيّ لإدارة المخاطر المرتفعة التّابع لسجن سوبرماكس، وهو عبارة عن وحدة أمنيّة عليا داخل المجمع الإصلاحيّ الممتدّ في مدينة غولبرن، جنوب غرب سيدني.

وتعمل حكومة الولاية على استثمار نحو 47 مليون دولار على مدار ثلاثة أعوام للتصدّي للإرهاب والتطرّف العنيف داخل سجونها. وستذهب الأموال إلى برامج التّفريق التي تستهدف السّجناء الذين تمّ تحديدهم على أنّهم عرضة لخطر الرّدكلة.

وشمل برنامج التّفريق الاتحاديّ، "نموذج الدّعم الإدماجيّ الاستباقيّ"، 15 سجيناً من نيو ساوث ويلز منذ أن دخل حيز التنفيذ في عام 2016.

وقالت متحدّثة باسم الخدمات الإصلاحيّة: "في الأعوام القليلة الماضية، قامت الخدمات الإصلاحيّة في نيو ساوث ويلز بوضع تركيز أكبر على تحديد السّجناء المعرّضين لخطر الرّدكلة. تتمّ مراقبة السّجناء المشتبه بهم أو الّذين يعرف أنّهم يحملون آراء راديكاليّة من قِبل موظفين ذوي خبرة ومدرّبين تدريباً جيداً، وبكلّ انتباه، ويجري إبعادهم عن السّجناء الآخرين إذا كان ذلك ضروريّاً".

لكنّ جونز يعتقد أنّ هناك مخاطر تنجم عن عزل المجرمين المردكلين بالفعل عن السّجناء الاعتياديّين، وهي مقاربة لم تُعتمد في ولاية فيكتوريا، حيث يتم توزيعهم وتفريقهم.

تقول متحدّثة باسم إصلاحيّة ولاية فيكتوريا إنّهم يفرّقون ويوزّعون السّجناء "متى كان ذلك ممكناً من الناحية العمليّة" و"وفقاً لمستوى الخطر المقدّر والاحتياجات الفرديّة".

وتضيف: "إنّ هذه المقاربة تهدف إلى منع ترسيخ الآراء المتطرّفة بصورة مستمرة من قِبل سجناء آخرين يشاركون القناعات نفسها. عوضاً عن ذلك، يتم تشجيع هؤلاء السّجناء على مجابهة أيديولوجيّاتهم المتطرّفة، وعلى تعلّم العيش باحترام مع آخرين لهم خلفيّات وأديان مغايرة".

وتقول إنّ أيّ سجين حاول ردكلة سجناء آخرين كان سرعان ما يوضع في بيئة أكثر تقيّيداً للحدّ من نفوذه.

وهناك مقاربة متشعّبة على نحو مماثل في الفلبين، حيث يتم دمج السّجناء الإرهابيّين مع السّجناء الاعتياديّين أو عزلهم عنهم.

 

 

انتقادات لسياسة العزل والحكومة ترد

يقول جونز إنّ تركيز مرتكبي الجرائم الإرهابيّة في الجِانب نفسه هو أمر خطير ولن يأتي بالنتيجة المرجوة، ويمكن أن يُعاظم من خطر الرّدكلة والهجمات. ويقول إنّنا قد تعلّمنا الدّرس في المملكة المتّحدة عندما كان هناك سجناء من المنتسبين إلى الجيش الجمهوريّ الايرلنديّ.

يقول جونز: "إنّنا نتّجه حقاً نحو مسار خطير، وسأقول هذا لإصلاحيّات نيو ساوث ويلز والحكومة".

ويضيف: "إنّ الأمر لن ينحصر في الفلبين - في أستراليا، لأنّنا نحبس المجرمين الإرهابيّين بطرق مغايرة، ناظرين إلى نموذج ولاية فيكتوريا مقابل نموذج ولاية نيو ساوث ويلز، أجادل بأنّنا سوف نرى النوع نفسه من النّتائج هنا في أستراليا. لا يعني هذا أن نعامل المجرمين الإرهابيّين بنعومة. فهناك مجرمون إرهابيّون يحتاجون إلى حبس من نوع خاصّ". غير أنّ تمسّك حكومة نيو ساوث ويلز باستراتيجيّتها قد آتى أكله.

تعتقد متحدّثة باسم الخدمات الإصلاحيّة في نيو ساوث ويلز إنّ إستراتيجيّة الاحتواء والتفريق قد أثبتت "فعّاليّتها العاليّة" منذ أن دخلت حيز التنفيذ في عام 2005.

وتقول: "لا يوجد دليل على فعّاليّة تشتيت السّجناء الرّاديكاليّين في احتواء هذا الخطر". وتضيف: "يمكن أخذ التّشتيت في الاعتبار، وهو ما يحدث في الخدمات الإصلاحيّة في نيو ساوث ويلز، عندما يكون هناك انخفاض ظاهر في عوامل الخطر المتعلّقة بالفرد. وهناك عدد من مرتكبي جرائم تتعلّق بالأمن القوميّ خفّض تصنيفهم الأمنيّ وجرى تفريقهم على السّجون".

دور الدين في الإصلاح والتأهيل

يعتقد علي قدري، نائب رئيس المجلس الإسلاميّ في ولاية كوينزلاند، أنّه ليس ثمّة براهين حقيقيّة تشير إلى أنّ السّجناء تجري ردكلتهم. ويعتقد أيضاً أنّ عمليّات التحوّل الدينيّ هي، في التّحليل الأخير، قوّة تقود إلى ما هو جيّد.

يقول قدري: "ليس هذا فحسب، إنّنا نجد أناساً لطالما كانوا معزولين اجتماعياً ويعيشون حياة الجريمة يعثرون على الإيمان داخل السّجن ويشعرون بأنّهم ينتمون إلى مجتمع ما، ومن ثمّ يكون لديهم المزيد من الدوافع للتصرّف بشكل أفضل ممّا فعلوا من قبل".

ويضيف: "نعتقد أن الإيمان، وليس فقط الإسلام، لديه المقدرة على مساعدة الأشخاص الّذين هم في ذلك الوضع، للعثور على المسار الصحيح".

كريستوفر نوس ونور جيلاني، الغارديان

 


وسم:

    اترك ردا